غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٩٩ - في الأدلّة العقليّة على حجّية مطلق الظنّ
ثمّ إنّ هذه المقدّمة الرابعة قد يقرّر عدم الامتثال بنحو الاحتياط فيها، بأنّ الاحتياط فيها غير لازم شرعابمعنى
أنّ الاحتياط غير واجب فيها فيكتشف العقل حينئذ أنّ الشارع قد جعل الظنّ
حجّة، إذ لا معنى لبقاء تكاليفه بغير طريق يعيّنه لامتثالها فلا بدّ من
جعله الظنّ حجّة ليكون طريقا لامتثالها، وهذا هو تقرير المقدّمات بنحو
الكشف.
و قد يقرّر عدم الامتثال بنحو الاحتياط بأنّ الشارع لا يرضى بامتثال جميع
تكاليفه بنحو الاحتياط، إذ لم يجعل الاحتياط طريقا شرعيّا لامتثال جميع
التكاليف، فالعمل بالاحتياط كلّية غير جائز في جميع الأحكام، فإذا علمنا
بعدم رضا الشارع بالاحتياط الّذي هو مقتضى العلم الإجمالي فالاحتياط بجميع
الفروع يبغضه الشارع، فلا بدّ من التبعيض في الاحتياط بالعمل بالمظنونات من
باب أنّ العلم الإجمالي منجّز له لا من باب أنّ الظنّ حجّة بحكم العقل،
وإلاّ لكان اللازم تحصيل الظنّ بالامتثال وهو لا يحصل بالإتيان بالمظنونات
فقط، إذ المفروض
()غير
ممكن وغير واجب لأدائه إلى العسر والحرج، أو غير جائز لأدائه إلى اختلال
النظام، وحينئذ فلا دليل على بطلان الاحتياط كلّية، إذ الاحتياط حيث يمكن
ولا يلزم منه عسر وحرج ولا اختلال النظام ليس بباطل، بل يحتّمه العقل ويدرك
حسنه، فنتنزّل إلى التبعيض في الاحتياط، فنحتاط احتياطا يوجب الظنّ
بالإصابة بعد فرض عدم جواز الاحتياط بنحو يوجب الجزم بالإصابة. وهذا هو
تقرير المقدّمات بنحو الحكومة بمعنى إدراك العقل حسن الاحتياط في خصوص
المظنونات، ولا يستكشف منه جعل حجّية الظنّ.
و قد يقرّر بعدم جواز الاحتياط في كلّي الشريعة ومجموع أحكامها؛لأنّ أساس
الشريعة لا يمكن أن يبتنى على الاحتياط للإجماع على لزوم الجزم في النيّة
في الجملة، وحينئذ فيستكشف العقل أنّ الشارع قد جعل طريقا إلى إدراك أحكامه
وامتثالها، وحيث لا أقرب من الظنّ فيستكشف أنّه هو المجعول للشارع
المقدّس، وإلاّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح. (من إضافات بعض
الدورات اللاحقة).