غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - الآية الأولى آية النبأ
و
ثالثا: أنّ خبر السيّد في خصوص المقام ليس بحجّة، لأنّ قبول قوله يستدعي
عدم قبول قوله لو شمله، وما يلزم من وجوده عدمه محال، لأنّ قوله بعدم
الحجّية لو قبل لما كان قوله مقبولا لأنّه من أفراده.
و قد اورد على هذا الإيراد الثالث إيراد ملخّصه: أنّ قول السيّد بعدم الحجّية لخبر الواحد لا يستلزم عدم حجّية قوله[١]لاستحالة
شمول خبره لقوله، لأنّ الحكم يلزم تأخّره عن موضوعه، فإذا فرض أنّه يحكي
الحكم فيلزم أن يكون الحكم -و هو المحكيّ-متقدّما فيلزم أيضا تقدّم موضوعه،
فإذا فرض أنّه بالحكاية يصير له فرد من أفراد الموضوع فلا يعقل أن يكون
الحكم المتقدّم شاملا للموضوع المتأخّر لاستدعائه تأخّر الحكم عنه،
والمفروض أنّ الحكم محكيّ به فيكون نفس الحكم متقدّما فلا يعقل تأخّره.
و الجواب: أنّ الحكم له مرتبتان:
إحداهما: مرتبة الجعل والإنشاء، وهذا الجعل لا يتوقّف على وجود الموضوع،
لأنّ جعله إنّما يكون بنحو القضيّة الحقيقيّة، وهي لا يتوقّف على وجود
الموضوع، بل إنّما تجعل على تقدير وجود الموضوع. ومن ثمّ انحلّت القضيّة
الحقيقيّة إلى شرطيّة وحمليّة فقولنا: «الخمر حرام»مثلا ينحلّ إلى قولنا:
إن وجد الخمر فهو حرام.
و الثانية: مرتبة الفعليّة، وهذه المرتبة متوقّفة على وجود الموضوع، إذ
مرتبة الفعليّة هي مرتبة قابليّة الحكم للبعث والزجر، ومعلوم أنّهما من
آثار وجود المأمور به والمنهيّ عنه، وهما متوقّفان على وجود الموضوع.
إذا عرفت هذا فما أخبر به وحكاه خبر السيّد المرتضى قدّس سرّه عدم الحجّية
في مرتبة الجعل وهي لا تتوقّف على وجود الموضوع، وما هو متأخّر عن إخبار
السيّد عدم الحجّية في مرتبة الفعليّة، فلا يلزم تأخّر المتقدّم إذ
المتقدّم غير المتأخّر، بمعنى أنّ
[١]انظر نهاية الأفكار ٣: ١١٨.