غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٧٥ - الأمر الثاني في أنّ قاعدة اليقين هل تستفاد من أخبار الاستصحاب أم لا؟
و أمّا
الثالث: فإنّ ما ذكره أيضا وإن كان متينا فإنّ الزمان في الاستصحاب ظرف وفي
القاعدة قيد إلاّ أنّ الزمان لا يلزم أن يلحظه المولى، بل يجوز أن يقول:
«لا تنقض. . . الخ»من دون لحاظ الزمان أصلا لا قيدا ولا ظرفا، لأنّهما من
الخصوصيّات.
و بالجملة، فهذه الوجوه لا تصلح مانعا عن شمول هذه الأخبار للاستصحاب
وقاعدة اليقين، إلاّ أنّ هناك مانعا إثباتيّا فإنّ نفس الأحاديث ليس لها
مانعا ثبوتي، وإنّما المانع فيها إثباتي، فانّها لا تدلّ على غير
الاستصحاب، وذلك أنّ ظاهر كلّ قضيّة أثبت فيها المحمول لموضوع كون الموضوع
بذلك الوصف المأخوذ فيه-سواء كان ذاتيّا أم عرضيّا-موجودا. فلو قال: أكرم
العالم، فمعناه أكرم الرجل الّذي يكون حين الإكرام عالما وليس معناه أكرم
من كان عالما. وكذا إذا قال: لا تصلّ في الثوب النجس، وغيرها من الأمثلة.
وإرادة ما كان متّصفا قبل ذلك بالوصف خلاف ظاهر الجملة.
فحينئذ قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ، بحسب ظاهرها تقتضي أن يكون اليقين
موجودا بالفعل، وذلك ليس إلاّ الاستصحاب. وأمّا قاعدة اليقين فاليقين فيها
زائل بالشكّ الساري، (مضافا إلى أنّ هذه الأخبار مع تسليم دلالتها على
حجّية الاستصحاب-كما هو المفروض-تكون دالّة على عدم حجّية قاعدة اليقين،
لأنّ كلّ يقين إلاّ ما ندر مسبوق بعدم المتيقّن كعدالة زيد مثلا فإنّها
مسبوقة بالعدم ثمّ تيقّن بها ثمّ زال بالشكّ الساري فإنّ استصحاب عدمها
يقضي بعدم بقائها إلى زمن اليقين فتعارضه)[١].
و أمّا الكلام في عدم شمول هذه الأخبار لقاعدة المقتضي والمانع، فلأنّ
ظاهرها كون متعلّق الشكّ واليقين واحدا، أمّا حيث يكون متعلّقهما متغايرا
فلا تدلّ على إلغاء ذلك الشكّ.
[١]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.