غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣١٢ - في حسن الاحتياط
نعم، هذا الاحتمال مرفوع تعبّدا، ولكنّه ليس بمرفوع وجدانا.
و لا يخفى أنّ حسن الاحتياط إنّما هو إذا لم يستلزم اختلال نظام البشر،
أمّا إذا استلزم ذلك، فتارة يكون كلّ فرد من أفراد الاحتياط لهذا الشخص
موجبا لاختلال النظام فلا ريب في مبغوضيّة هذا الاحتياط له.
و تارة لا يكون الاحتياط مخلاّ كلّية لقلّة أعمال هذا الشخص، فلا ريب في حسن الاحتياط له كلّية.
و تارة يكون الاحتياط التامّ في جميع أعماله إلى موته مخلاّ بالنظام فلا
ريب في قبحه حينئذ، لكنّه يمكنه أن يبعّض في الاحتياط، وله في التبعيض
طريقان:
أحدهما: أن يحتاط في جميع أفعاله مدّة لا توجب الإخلال بالنظام، مثلا
يحتاط مدّة شهر ثمّ بعد الشهر لو احتاط يحصل الإخلال، فهو يحتاط مدّة لا
يحصل بها الإخلال، ثمّ يتركه عند وصوله إلى حدّ الإخلال إلى آخر عمره فلا
يحتاط.
الثاني: أن يحتاط ببعض أفعاله إلى آخر عمره، إذ الاحتياط التامّ له مخلّ
بالنظام لا الاحتياط ببعض الأفعال، وحينئذ فهو يختار ما كان احتمال الإلزام
فيه أقوى فيمتثله ويترك الاحتياط بما كان احتمال الإلزام فيه ضعيفا، أو
يختار الاحتياط مثلا بأموال الناس ويترك الاحتياط في الطهارة مثلا.
و الظاهر من بعض الأخبار-في نهج البلاغة: قليل مدوم عليه خير من كثير مملول[١]-القائلة
بأنّ الخير القليل إذا داوم عليه المكلّف خير من الخير الكثير الّذي لا
مداومة عليه ترجيح الثاني من طرق الاحتياط، وهو الاحتياط ببعض الأعمال إلى
آخر عمره، لا القسم الأوّل وهو الاحتياط بجميع أعماله مدّة من الزمن ثمّ
يترك حيث يستلزم إخلالا بالنظام.
[١]نهج البلاغة، الحكمة: ٤٤٤ و٢٧٨، ومعجم غرر الحكم: ٣٦٣.