غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٤٤ - الاستدلال على البراءة بالاستصحاب
الثاني من المناقشات على الاستدلال بالاستصحاب ما ذكره الميرزا النائيني قدّس سرّه[١]
وملخّصه: أنّ استصحاب عدم التكليف إنّما هو استصحاب عدمه الثابت حال صغر
الإنسان، وعدم التكليف حينئذ إنّما هو من جهة اللاحرجيّة العقليّة المرتفعة
قطعا حال البلوغ، فلا معنى لاستصحابها، إذ لا يحتمل بقاؤها أصلا.
و الجواب أنّ عدم التكليف حال الصغر له زمانان: أحدهما: حال عدم قابليّته
للتكليف، وهو عقلي بمعنى اللاحرجيّة العقليّة كما ذكره قدّس سرّه. والثاني:
قبل البلوغ بشهر مثلا فإنّه حينئذ قابل للتكليف، فعدم التكليف حينئذ مستند
إلى الشارع، إذ بيده جعل الحكم حينئذ ورفعه. ولذا جعله على الانثى قبل
إكمال الخمس عشرة، ورفعه عن الذكر حتّى يبلغها، وما ذكرناه هو المناسب
لقوله: رفع القلم، المشعر بإمكان الجعل إلاّ أنّه رفعه امتنانا، وحينئذ
فهذا الرفع شرعيّ مشكوك في ارتفاعه فلا مانع عن جريان الاستصحاب فيه أصلا.
و ممّا ذكرناه ظهر الدفع لإيراد الميرزا النائيني الثاني[٢]الّذي هو الإيراد الثالث على الاستصحاب، وهو أنّ العدم حال الصغر(أو قبل الشرع)[٣]عدم أزلي، والعدم بعد البلوغ(أو تشريع الشريعة)[٤]عدم شرعي، واستصحاب العدم الأزلي لا يثبت العدم الشرعي إلاّ بالأصل المثبت الّذي هو ليس بحجّة.
و توضيح اندفاع هذا الإيراد هو أنّ العدم قبل البلوغ بيسير عدم شرعي لا أزلي، (و كذا العدم في بدء البعثة)[٥]فيستصحب
هو بنفسه فأين الأصل المثبت؟ ولذا عبّر برفع القلم المنبئ عن إسناد الرفع
إلى اللّه تعالى مع وجود مقتضي الجعل وهو القابليّة، (على أنّه يكفي في كون
العدم شرعيّا نسبته بحسب البقاء إلى الشارع بنفس دليل الاستصحاب، فافهم)[٦].
(١ و٢)أجود التقريرات ٣: ٣٣١.
(٣-٤-٥-٦)ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.