غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٩١ - في إمكان حجّية الظنّ واستحالتها
و
الظاهر أنّ ما ذكره الشيخ قدّس سرّه ثابت لا غبار عليه ولا يرد عليه أحد
الإيرادات المذكورة في المقام أصلا، مثال ذلك أنّ المولى لو قال: «أكرم
العلماء»و احتملنا أن يكون إكرام الفسّاق غير مطلوب بل طلبه مستحيل، لعدم
الملاك واستحالة طلب ما لا ملاك فيه من المولى الحكيم فهل يتوقّف عاقل عن
إكرامه؟كلاّ ثمّ كلاّ، بل إنّ بناء العقلاء على إكرامه ما لم يحرز عدم ملاك
الأمر فيه.
و أمّا ما ذكره الميرزا قدّس سرّه فلا نعقل له معنى صحيحا، وذلك أنّ
الإمكان والاستحالة ليس أمرا شرعيّا تارة وتكوينيّا اخرى بل هو تكويني
دائما، نعم قد يكون متعلّقه تشريعيّا لا هو، وهذا لا يخلّ بالمقصود بعد
ثبوت البناء العقلائي في الإمكان التكويني.
و أمّا ما ذكره الآخوند قدّس سرّه فوارد لو كان مراد الشيخ قدّس سرّه إثبات
مجرّد الإمكان، ولكنّ الظاهر من الشيخ ظنّا بل اطمينانا أنّ مراد الشيخ
أنّ الظواهر الّتي دلّت على حجّية الظنّ هل بناء العقلاء على العمل بها مع
الشكّ في إمكان الجعل واستحالته وإنّما يرفعون اليد عن العمل بها عند ثبوت
الاستحالة أو أنّها لا يعمل بها ما لم يثبت الإمكان؟و حينئذ فهنا أثر عملي
في بنائهم، ومع عدم ردع الشارع يحرز منه الإمضاء وليس ظنيّا فقط، والإمكان
ثابت لا جدال فيه بحسب الظاهر.
و بالجملة فالظاهر صحّة ما ذكره الشيخ الأنصاري قدّس سرّه من أنّ الأصل
إمكان حجّية الظنّ ما لم يثبت استحالة جعل الحجّية، كما نسب إلى ابن قبة
ذلك، وقد احتجّ على ذلك باستلزامه تحريم الحلال وتحليل الحرام، ومراده كما
أوضحه المتأخّرون[١] يرجع إلى محذور في مقام الجعل ومحذور في مقام الملاك.
أمّا المحذور الأوّل: فهو أنّ المجعول بالدليل الظنّي إن كان موافقا للحكم
الواقعي فهو جمع للمثلين، وإن كان مخالفا له فهو جمع الضدّين، وكلاهما محال
قطعا بداهة من العقل.
[١]أجود التقريرات ٣: ١١٠ و١٢٣.