غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٥٣٨ - التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية
فمرجع
الشكّ إلى الشكّ في جعل الناقضيّة والأصل عدمها، فالأصل حينئذ مؤيّد لبقاء
الطهارة لا معارض لها، وكذا الطهارة الخبثيّة حيث يكون الحكم المجعول
إلزاميّا كتحريم وطء الحائض قبل الغسل بعد النقاء، أو يؤول إلى كونه
إلزاميّا كالنجاسة مثلا مورد المعارضة، وأمّا إذا لم يكن إلزاميّا أو
وضعيّا لا يؤول إلى الإلزام كالطهارة مثلا فلا مانع من جريان الاستصحاب في
الشبهات الحكميّة، فافهم وتأمّل.
هذا تمام الكلام في هذا التفصيل، وملخّصه أنّ الاستصحاب حجّة في الشبهات
الموضوعيّة والحكميّة حيث يكون الحكم المجعول ترخيصيّا أو يؤول إلى الترخيص
كالطهارة، وعدم حجّيته حيث يكون الحكم المجعول إلزاميّا.
بقي شيء وهو أنّه ربّما يقال: إنّ الصحيحة المذكورة إنّما دلّت على تحريم
نقض كلّ يقين بالشكّ فلا تدلّ على حجّية الاستصحاب، إذ لفظ اليقين محلّى
بلام الجنس وقد وقع في سياق النفي، فمعناها أنّ مجموع أفراد اليقين لا
تنقضها بالشكّ فلا تدلّ على حرمة نقض كلّ فرد من أفراد اليقين بالشكّ، فلا
تدلّ على حجّية الاستصحاب كلّية، بل في الجملة. ولا يخفى عليك ظهور اليقين
في إرادة كلّ فرد فرد منه لا المجموع، مع أنّ كونه في سياق النفي إنّما
يوجب إرادة المجموع إذا وقع مدخولا للنفي مثل: لا تكرم كلّ أحد، كما أنّه
لا يناسب حينئذ تعليل الإمام عليه السّلام بها للمورد كما هو واضح جدّا،
فتأمّل.
في صحيحة زرارة الثانية وهي رواية طويلة تضمّنت فروعا كثيرة لها أهمّيتها
وتضمّنت عدم وجوب الفحص في الشبهة الموضوعيّة، فتكون هي الدليل لعدم وجوب
الفحص لا الإجماع كما قيل، ولو قيل بأنّها إنّما تضمّنت عدم وجوب الفحص في
خصوص موردها لدلّت على عدم وجوب الفحص بعدم القول بالفصل أو بالقول بعدم
الفصل الّذي هو الإجماع المركّب.