غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦١٨ - التنبيه الثامن في الأصل المثبت
و أمّا
ثانيا: فلأنّ النظر إلى الواقع في الأمارات لا يوجب أن يكون المخبر بالواقع
مخبرا عن اللوازم البعيدة له بحيث لا يكون تصوّر المخبر به مستلزما
لتصوّرها، (و قياسه على العلم الوجداني مع الفارق، فإنّ العلم الوجداني
بالملزوم مع العلم بالملازمة يولد العلم باللازم، فيكون هذا العلم المتولّد
حجّة؛لكونه علما وجدانيّا، بخلاف الأمارات إذ المفروض أنّ العلم الوجداني
باللوازم مفقود، وكذا العلم التعبّدي، إذ المفروض أنّها إنّما أخبرت
بالملزوم فقط)[١].
و كيف كان، فالظاهر أنّه لا فرق بين الاصول والأمارات في أنّه يتبع دليل
حجّيتها، فإن دلّ على التعبّد بمؤدّياتها فقط فلا يتعدّى كما في الاصول،
وإن دلّ على التعبّد بمؤدّياتها بمالها من اللوازم فيثبت حينئذ التعبّد
بالجميع، لكنّ الأدلّة الّتي جعلت الاصول لا تدلّ على أزيد من التعبّد
بمؤدّاها، ففي الاستصحاب لا تدلّ على أزيد من التعبّد بخصوص المتيقّن، وفي
الأمارات يختلف الحكم باختلاف لسان جعل الأمارة، ففي خبر الواحد مثلا دليل
الجعل السيرة، وهي متحقّقة بالنسبة إلى المؤدّى ولوازمه القريبة والبعيدة
ولو بوسائط عديدة، وكذلك في الإقرار وغيره ممّا كان العرف يفهمون من
الإخبار بالشيء الإخبار بلازمه، مثلا لو أقرّ شخص بأنّه هو سقى زيدا السمّ
وأنكر كونه قاتلا له لا يعتنى بإنكاره؛لأنّ إقراره باللازم إقرار
بالملزوم.
و بالجملة، فالفرق بين الاصول والأمارات ليس في مقام الثبوت وإنّما هو في
مقام الإثبات، فمن يقول بأنّ لوازم الأمارات تتبع دليل الأمارة قوله هو
الصحيح ولا ينبغي أن يستغرب منه، بل هو الّذي ينبغي أن يعتمد عليه، فافهم
وتأمّل.
بقي أمران لا بدّ من التعرّض لهما: أحدهما: هو أنّه بعد ما عرفت أنّ
المانع من حجّية الأصل المثبت إنّما هو مانع إثباتي وهو عدم وفاء الدليل،
لا ثبوتي بين مؤدّى نفس الأصل والأمارة، فلو قلنا
[١]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.