غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦١٦ - التنبيه الثامن في الأصل المثبت
أقول:
ولا يخفى عليك أوّلا أنّه مناقض لما ذكره قبل ليلة كما هو مسطور من أنّ
الأمارة مأخوذ في موضوعها عدم العلم واستشهاده بقوله تعالى: U}فَسْئَلُوا
أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ{U[١]و
دلالتها على حجّية فتوى المفتي أو خبر الواحد، مضافا إلى أنّ جميع
الأدلّة الدالّة على حجّية الأمارات موضوعها عدم العلم مثل آية النبأ[٢]فإنّ
قوله: U}فَتَبَيَّنُوا{Uظاهر في كونهم غير متبيّن لهم الأمر فهم جاهلون
به، وكذا قوله: «الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين أو تقوم به البيّنة»[٣]الظاهر في أنّه غير مستبين قبل قيامها، وكذا قوله: «فللعوام أن يقلّدوه»[٤]و كذا غيرها[٥]، وكلّها كما ترى قد اخذ في موضوعها عدم العلم.
فالأولى أن يقال في وجه تقديم الأمارة: إنّ الشارع فرضها علما فلا يرى فيها
شكّا أصلا، وحينئذ فلا يجري الاستصحاب لعدم الشكّ، وهذا واضح، وفي
الاستصحاب الشكّ باق إلاّ أنّه لا حكم له بحكم الشارع فلا يمكن أن يجري
الأصل المحض حينئذ لعدم حكم لهذا الشكّ الموجود، فافهم وتأمّل حينئذ.
ثمّ إنّه بعد ما ذكرنا نتكلّم في وجه عدم حجّية الأصل المثبت في الاستصحاب
وعدم ترتيب ما للآثار العقليّة الثابتة للمستصحب في الاستصحاب وترتيبها في
الأمارات فنقول: ذهب الآخوند قدّس سرّه[٦]إلى
أنّ الأمارات بما أنّها ناظرة إلى الواقع فمؤدّاها بدليل حجّيتها هو ثبوت
الموضوع الواقعي تعبّدا، وحينئذ فإذا ثبت الواقع بهذا الخبر مثلا، فدليل
حجّية الخبر يجعل المخبر به ثابتا واقعا، ومن المعلوم أنّ المخبر
[١]النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧.
[٢]الحجرات: ٦.
[٣]الوسائل ١٢: ٦٠، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به، الحديث ٤.
[٤]الوسائل ١٨: ٩٥، الباب ١٠ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٠.
[٥]مثل: عليك بالأسدي، المصدر السابق: الباب ١١، الحديث ١٥.
[٦]كفاية الاصول: ٣٢١.