غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٣٨ - في قاعدة الميسور
و تفصيل
ما ذكرنا أنّ قوله صلّى اللّه عليه وآله: فأتوا، من الأفعال المتعديّة
بنفسها بمعنى أوجد، وكما في قوله تعالى: U}وَ اَللاََّتِي يَأْتِينَ
اَلْفََاحِشَةَ{U[١]بمعنى
يوجدونها، وحينئذ فمفعولها إمّا أن يكون الضمير في«منه»بدعوى زيادة«من»و
حينئذ فيلزم الفصل بين الفعل ومفعوله ويكون حينئذ: ما استطعتم«ما»ظرفية أي
مدّة استطاعتكم، وهو إمّا غلط أو خلاف الظاهر فيلزم أن لا يكون الضمير
في«منه»مفعولا لها، وحينئذ فلا بدّ من أن يكون مفعولها هو قوله صلّى اللّه
عليه وآله: «ما استطعتم»فيكون المعنى: فأتوا ما استطعتم منه،
فتكون«من»بيانيّة لما استطيع الإتيان به ولكنّها لا تنافي التبعيض بالمعنى
المتقدّم.
فإذا كانت للتبعيض فالتبعيض يتصوّر بصورتين:
الاولى: أن يكون التبعيض في الأفراد فيكون كلّ بعض ممّا ينطبق عليه عنوان
الواجب كما في قولك: أكرم من العلماء ما استطعت، فإنّ كلّ واحد من العلماء
ممّا يصدق عليه جنس المأمور به، وهذا التبعيض لا يحتاج إلى عناية أصلا؛لأنّ
الفرد نفس ذلك العنوان منطبق عليه.
الثانية: أن يكون التبعيض بلحاظ الأجزاء لا الجزئيّات، وهذا التبعيض يحتاج
إلى لحاظ المركّب كلاّ وأنّه شيء واحد فتكون حينئذ أجزاؤه أبعاضا له وإلاّ
فالأجزاء غير المركّب؛لأنّ كلّ جزء لا ربط له بالجزء الآخر فيحتاج إلى
لحاظ وحدة اعتباريّة تضمّ المجموع وتعتبره شيئا واحدا، فيكون التبعيض بهذا
المعنى الثاني محتاجا إلى زيادة مؤنة، فإذا كانت«من»تستعمل في كلّ من
المعنيين فالمورد يكون هو المعيّن للمعنى.
و لا ريب أنّ المورد في المقام هو النوع الأوّل من نوعي التبعيض، فحمله على
غيره موجب لخروج المورد عن معنى التبعيض، وخروجه مستهجن في الكلام
[١]النساء: ١٥.