الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٨ - كثير و الأحوص و نصيب عند عمر بن عبد العزيز
/
فما بين شرق الأرض و الغرب كلّها
مناد ينادي من فصيح و أعجم
يقول: أمير المؤمنين ظلمتني
بأخذ لدينار و لا أخذ درهم
و لا بسط كفّ لامرئ ظالم له
و لا السفك منه ظالما ملء محجم
فلو يستطيع المسلمون تقسّموا
لك الشّطر من أعمارهم غير ندّم
فعشت به ما حجّ للّه راكب
مغذّ مطيف بالمقام و زمزم
فأربح بها من صفقة لمبايع
و أعظم بها أعظم بها ثم أعظم
فقال لي: يا كثيّر، إن اللّه سائلك عن كل ما قلت. ثم تقدّم إليه الأحوص فاستأذنه فقال: قل و لا تقل إلّا حقّا؛ فإن اللّه سائلك. فأنشده:
و ما الشعر إلّا خطبة من مؤلّف
بمنطق حقّ أو بمنطق باطل
فلا تقبلن إلّا الذي وافق الرّضا
و لا ترجعنّا كالنساء الأرامل
رأيناك لم تعدل عن الحقّ يمنة
و لا يسرة فعل الظّلوم المجادل
و لكن أخذت القصد جهدك كلّه
و تقفو مثال الصالحين الأوائل
فقلنا و لم نكذب بما قد بدا لنا
و من ذا يردّ الحقّ من قول عاذل
و من ذا يردّ السّهم بعد مروقه [١]
على فوقه إن عار [٢] من نزع نابل
و لو لا الذي قد عوّدتنا خلائف
غطاريف كانت كالليوث البواسل
لما وخدت شهرا برحلي جسرة
تفلّ متون البيد بين الرّواحل
و لكن رجونا منك مثل الذي به
صرفنا قديما من ذويك الأفاضل
/ فإن لم يكن للشعر عندك موضع
و إن كان مثل الدّرّ من قول قائل
و كان مصيبا صادقا لا يعيبه
سوى أنه يبنى بناء المنازل
فإنّ لنا قربى و محض مودّة
و ميراث آباء مشوا بالمناصل
فذادوا عدوّ السّلم عن عقر دراهم
و أرسوا عمود الدّين بعد تمايل
فقبلك ما أعطى الهنيدة [٣] جلّة
على الشعر كعبا من سديس و بازل
رسول الإله المصطفى بنبوّة
عليه سلام بالضّحى و الأصائل [٤]
[١] كذا في أ. و في سائر الأصول: «صدوفه» و هو تحريف.
[٢] السهم العائر: «الذي لا يدري من أين أتى. و أنشد أبو عبيده:
أخشى على وجهك يا أمير
عوئرا من جندل تعير
و في الأصول: «عاد» بالدال و هو تحريف.
[٣] هنيدة: اسم للمائة من الإبل خاصة، و قيل اسم للمائة من الإبل و غيرها. و يريد بكعب كعب بن زهير. و السديس من الإبل ما دخل في السنة الثامنة. و البازل الذي فطر نابه أي انشق، و ذلك في السنة التاسعة.
[٤] المعروف المحفوظ في كتب السير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لما أنشده كعب بن زهير قصيدته اللامية «بانت سعاد» و وصل فيها إلى قوله: