الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٩ - غنى الواثق في شعر لأبي العتاهية بحضرة إسحاق و وصله
و هو يشرب حتى سكر. ثم قال لي: هات العود، فدفعته إليه، فغنّاه أحسن غناء؛ فنفست عليه إحسانه، و دعوت بطبل فجعلت أوقع عليه و هو يضرب حتى دفع العود و أخذ الطّبل فجعل يوقع به أحسن إيقاع، ثم دعا بدفّ فأخذه و مشى به و جعل يغنّي أهزاج طويس حتى قلت قد عاش، ثم جلس و قد انبهر. فقلت: يا سيّدي، كنت أرى أنك تأخذ عنّا و نحن الآن نحتاج إلى الأخذ عنك! فقال: أسكت ويلك! فو اللّه أن سمع هذا منك أحد ما دمت حيّا لأقتلنّك. فو اللّه ما حكيته عنه حتى قتل.
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال أخبرنا أبو أيّوب المديني قال ذكر أبو الحسن المدائني أن يحيى مولى العبلات المعروف بفيل و هو الذي غنّى:
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا
كان مقيما بمكة. فلمّا قدمها الوليد بن يزيد سأل عن أحسن الناس غناء و حكاية لابن سريج؛ فقيل له: فيل.
فدعاه و قال له: امش لي بالدّفّ، ففعل. ثم قال له الوليد: هاته حتى أمشي به، فإن أخطأت فقوّمني. فمشى به أحسن من مشية فيل. فقال له يحيى: جعلت فداءك! ائذن لي حتى أختلف إليك لأتعلّم منك.
فمن مشهور صنعته في شعره:
و صفراء في الكأس كالزعفران
سباها التّجيبيّ من عسقلان
تريك القذاة و عرض الإناء
ستر لها دون لمس البنان
لحنه فيه خفيف رمل. و فيه لأبي كامل ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق و يونس. و لعمر الواديّ فيه ثقيل أوّل بالوسطى عن يونس و الهشاميّ. و قد مضت أخباره مشروحة في المائة الصوت المختارة.
غناء الواثق:
و من دوّنت صنعته من خلفاء بني العبّاس الواثق باللّه.
و لم نعلمه حكي ذلك عن أحد منهم قبله إلّا ما قدّمنا سوء العهدة فيه عن ابن خرداذبه؛ فإنه حكى أن للسّفّاح و المنصور و سائرهم غناء و أتى فيها بأشياء غثّة لا يحسن لمحصّل ذكرها.
غنى الواثق في شعر لأبي العتاهية بحضرة إسحاق و وصله:
و أخبرني يحيى بن محمد الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
دخلت يوما دار الواثق بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا. فسمعت صوت عود من بيت و ترنّما لم أسمع أحسن منه قطّ، فأطلع خادم رأسه ثم ردّه و صاح بي فدخلت فإذا الواثق. فقال: أيّ شيء سمعت؟ فقلت:
الطّلاق لازم لي و كلّ مملوك لي حرّ لقد سمعت ما لم أسمع مثله قطّ حسنا! فضحك فقال: و ما هو! إنما هذه فضلة أدب و علم مدحه الأوائل و اشتهاه أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و سلم و رحمهم و التابعون بعدهم و كثر في حرم اللّه و مهاجر رسول اللّه. أ تحبّ أن تسمعه منّي؟ قلت: إي و الذي شرّفني بخطابك و جميل رأيك. فقال: يا غلام، هات العود و أعط إسحاق رطلا. فدفع الرّطل إليّ و ضرب و غنّى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه:
أضحت قبورهم من بعد عزّهم
تسفي عليها الصّبا و الحرجف الشّمل