الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٦ - أفحمه كثير في حضرة الوليد بن عبد الملك
/ فطرب عديّ و قال: لا و اللّه ما سمعت يا أمير المؤمنين بمثل هذا قطّ و لا ظننت أن يكون مثله طيبا و حسنا. و لو لا أنه في مجلس أمير المؤمنين لقلت طائف من الجنّ. أ يأذن لي أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل. قال: مثل هذا عند أمير المؤمنين و هو يبعث إلى ابن سريج يتخطّى به قبائل العرب فيقال: ابن سريج المغنّي مولى بني نوفل بعث أمير المؤمنين إليه!. فضحك ثم قال للخادم: أخرجه فخرج. فلما رآه عديّ أطرق خجلا ثم قال: المعذرة إلى اللّه و إليك يا أخي، فما ظننت أنك بهذه المنزلة، و إنك لحقيق أن تحتمل على كل هفوة و خطيئة. فأمر لهم الوليد بمال سوّى بينهم فيه، و نادمهم يومئذ إلى الليل.
نسبة هذا الصوت المذكور في هذا الخبر و سائر ما مضى في أخبار عدي قبله من الأشعار التي فيها غناء:
صوت
عرف الدّار توهّما فاعتادها
من بعد ما شمل البلى أبلادها
إلّا رواكد كلّهن قد اصطلى
حمراء أشعل أهلها إيقادها
عروضه من الكامل. الشعر لعديّ بن الرّقاع. و الغناء لابن محرز خفيف ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أفحمه كثير في حضرة الوليد بن عبد الملك:
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال:
أنشد عديّ بن الرّقاع الوليد بن عبد الملك قصيدته التي أوّلها:
عرف الديار توهّما فاعتادها
و عنده كثيّر و قد كان يبلغه عن عديّ أنه يطعن على شعره و يقول: هذا شعر حجازيّ مقرور إذا أصابه قرّ الشأم جمد و هلك. فأنشده إيّاها حتى أتى على قوله:
/
و قصيدة قد بتّ أجمع بينها
حتى أقوّم ميلها و سنادها [١]
فقال له كثيّر: لو كنت مطبوعا أو فصيحا أو عالما لم تأت فيها بميل و لا سناد فتحتاج إلى أن تقوّمها. ثم أنشد:
نظر المثقّف في كعوب قناته
حتى يقيم ثقافه منآدها
فقال له كثيّر: لا جرم أنّ الأيام إذا تطاولت عليها عادت عوجاء، و لأن تكون مستقيمة لا تحتاج إلى ثقاف أجود لها.
ثم أنشد:
و علمت حتى ما أسائل واحدا
عن علم واحدة لكي أزدادها
فقال كثيّر: كذبت و ربّ البيت الحرام! فليمتحنك أمير المؤمنين بأن يسألك عن صغار الأمور دون كبارها حتى يتبيّن جهلك. و ما كنت قطّ أحمق منك الآن حيث تظنّ هذا بنفسك. فضحك الوليد و من حضر، و قطع بعديّ بن الرّقاع حتى ما نطق.
[١] يريد بالسناد هنا عيبا في الشعر. و السناد في اصطلاح العروضيين هو اختلاف الحرف الذي قبل الردف بالفتح و الكسر. و الردف هو حرف اللين الذي قبل الرويّ. (انظر الكلام عليه في «العقد الفريد» ج ٣ ص ٢٢٢- ٢٢٣ طبع بولاق، و «اللسان» مادة «سند»).