الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٦ - قصة لأعرابي عاشق مع إسحاق بن سليمان بن علي
برّز إسحاق عليه في لحن اشتركا فيه:
أخبرني الحسين بن يحيى عن وسواسة بن الموصليّ عن حمّاد بن إسحاق قال:
كتب حمدون بن إسماعيل إلى أبي: إن أمير المؤمنين الواثق يأمرك أن تصنع لحنا في هذا الشعر:
لقد بخلت حتى لو انّي سألتها
و قد كان الواثق غنّى فيه غناء أعجبه؛ فغنّى فيه أبي. فلما سمعه الواثق قال: أفسد علينا إسحاق ما كنّا أعجبنا به من غنائنا. قال حمّاد: ثم لم أعلم أن أبي صنع بعده غناء حتى مات.
و من مشهور أغاني الواثق:
صوت
سقى العلم الفرد الذي في ظلاله
غزالان مكحولان مؤتلفان
أرغتهما ختلا فلم أستطعهما
و رميا ففاتاني و قد رمياني [١]
و لحنه فيه من الثقيل الأوّل. و لإسحاق فيه رمل.
قصة لأعرابي عاشق مع إسحاق بن سليمان بن علي:
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن منصور بن عليّة القرشيّ قال أخبرني جعفر بن عبيد اللّه بن جعفر الهاشميّ عن إسحاق بن سليمان بن عليّ قال:
/ لقيت أعرابيّا بالسّميّة [٢] فصيحا، فاستخففته و تأمّلته فإذا هو مصفرّ شاحب ناحل الجسم، فاستنشدته فأنشدني الشيء بعد الشيء على استكراه منّي له. فقلت له: ما بالك؟ فو اللّه إنك لفصيح! فقال: أما ترى الجبلين؟
قلت بلى. قال: في ظلالهما و اللّه يمنعني من إنشادك و يشغلني و يذهلني عن الناس. قلت: و ما ذاك؟ قال: بنت عمّ لي قد تيّمتني و ذهبت بعقلي، و اللّه إنه لتأتي عليّ ساعات ما أدري أ في السماء أنا أم في الأرض، و لا أزال ثابت العقل ما لم يخامر ذكرها قلبي، فإذا خامره بطلت حواسّي و عزب عنّي لبّي. قلت: فما يمنعك منها؟ أ قلّة ما في يدك؟ قال: و اللّه ما يمنعني منها غير ذلك. قلت: و كم مهرها؟ قال: مائة ناقة. قلت: فأنا أدفعها إليك إذا لتدفعها إليهم. قال: و اللّه لئن فعلت ذلك إنك لأعظم الناس عليّ منّة. فوعدته بذلك و استنشدته ما قال فيها، فأنشدني أشياء كثيرة منها قوله:
/
سقى العلم الفرد الذي في ظلاله
غزالان مكحولان مؤتلفان
البيتان. فقلت له: يا أعرابيّ، و اللّه لقد قتلتني بقولك «ففاتاني و قد قتلاني» و أنا بريء من العبّاس أن لم أقم بأمرك.
ثم دعوت بمركوب فركبته و حملت معي الأعرابيّ، فصرنا إلى أبي الجارية في جماعة من أهلي و مواليّ حتى زوّجته إيّاها و ضمنت عنه الصّداق و اشتريت له مائة ناقة فسقتها عنه؛ و أقمت عندهم ثلاثا و نحرت لهم ثلاثين جزورا، و وهبت للأعرابيّ عشرة آلاف درهم و للجارية مثلها، و قلت: استعينا بهذا على اتّصالكما و انصرفت. فكان الأعرابيّ يطرقنا في كلّ سنة و امرأته معه فأهب له و أصله و ينصرف.
[١] و يروى: «و قد قتلاني» (انظر الصفحة الآتية).
[٢] السمية: جبل، كما في «معجم البلدان» لياقوت.