الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠ - كانت شاجي جاريته تلحن للمعتضد بعض الشعر
٢- أخبار عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر
كان عالما و مغنيا و نسب غناءه لجاريته شاجي ترفعا:
هو عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين، و يكنى أبا أحمد. و له محلّ من الأدب و التصرّف في فنونه و رواية الشعر و قوله و العلم باللغة و أيّام الناس و علوم الأوائل من الفلاسفة في الموسيقى و الهندسة و غير ذلك مما يجلّ عن الوصف و يكثر ذكره. و له صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة تدلّ على ما ذكرناه هاهنا من توصّله إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النّغم كلّها في صوت واحد تتبّعه هو و أتى به على فضله فيها و طلبه لها. و كان المعتضد باللّه، رحمة اللّه عليه، ربما كان أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء و بحضرته أكابر المغنّين مثل القاسم بن زرزور و أحمد بن المكيّ و من دونهما مثل أحمد بن أبي العلاء و طبقتهم، فيعدل عنهم إليه فيصنع فيها أحسن صنعة، و يترفّع عن إظهار نفسه بذلك، و يومئ إلى أنه من صنعة جاريته شاجي [١]، و كانت إحدى المحسنات المبرّزات المقدّمات؛ و ذلك بتخريجه و تأديبه، و كان بها معجبا و لها مقدّما.
كان المعتضد يتفقده لما رقت حاله و طلب منه جاريته ليسمع غناءها فأرسلها له:
فأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: لمّا اختلت حال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر كان المعتضد يتفقّده بالصّلات الفينة بعد الفينة. و اتّفق يوما كان فيه مصطبحا أن غنّي بصوت الصنعة فيه لشاجي جارية عبيد اللّه؛ فكتب إليه كتابا يقسم أن يأمرها بزيارته ففعل. قال: فحدّثني من حضر من المغنّيات ذلك المجلس بعد موت المعتضد قالت: دخلت إلينا و ما منّا إلّا من يرفل في الحليّ و الحلل و هي في أثواب ليست كثيابنا، فاحتقرناها؛ فلمّا غنّت احتقرنا أنفسنا. و لم تزل تلك حالنا حتى صارت في أعيننا كالجبل و صرنا كلا شيء. قال: و لمّا انصرفت أمر لها/ المعتضد بمال و كسوة. و دخلت إلى مولاها فجعل يسألها عن أمرها و ما رأت مما استظرفت و سمعت مما استغربت. فقالت: ما استحسنت هناك شيئا و لا استغربته من غناء و لا غيره إلا عودا من عود محفور [٢] فإنّي استظرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن يدخل دار الخلافة فلا يمدّ عينه لشيء يستحسنه فيها إلا عودا!.
كانت شاجي جاريته تلحن للمعتضد بعض الشعر:
قال محمد بن الحسن الكاتب و حدّثني النّوشجانيّ قال:
كان المعتضد إذا استحسن شعرا بعث به إلى شاجي جارية عبيد اللّه بن طاهر فتغنّى فيه. قال: و كانت صنعتها تسمّى في عصره غناء الدار.
[١] في «نهاية الأرب» (ج ٥ ص ٦٦): «ساجي» بالسين المهملة.
[٢] كذا في أ، م و «نهاية الأرب». و في سائر الأصول: «مفحور» و هو تحريف.