الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨ - عمر الوادي يأخذ صوتا عن راعي غنم في شعر له
مات عكرمة و كثيّر عزّة في يوم واحد، فأخرجت جنازتاهما، فما علمت تخلّفت امرأة بالمدينة و لا رجل عن جنازتيهما. قال: و قيل مات اليوم أشعر الناس و أعلم الناس. قال: و غلب النساء على جنازة كثيّر يبكينه و يذكرن عزّة في ندبتهنّ له. قال: فقال أبو جعفر محمد [١] بن عليّ: افرجوا لى عن جنازة كثيّر لأرفعها. قال: فجعلنا ندفع عنها النساء و جعل يضربهنّ محمد بن عليّ بكمّه و يقول: تنحّين يا صواحبات يوسف. فانتدبت له امرأة منهنّ فقالت:
يا ابن رسول اللّه لقد صدقت، إنّا لصواحبات يوسف و قد كنّا له خيرا منكم له. قال: فقال أبو جعفر لبعض مواليه:
احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفنا. قال: فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرارة النار. فقال لها محمد بن عليّ: أنت القائلة إنّكن ليوسف خير منّا؟ قال: نعم! تؤمنني غضبك يا ابن رسول اللّه؟ قال: أنت آمنة من غضبي فأبيني. قالت: نحن يا ابن رسول اللّه دعوناه إلى اللذّات من المطعم/ و المشرب و التمتّع و التنعّم، و أنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجبّ و بعتموه بأبخس الأثمان و حبستموه في السّجن. فأيّنا كان عليه أحنى و به [٢] أرأف؟! فقال محمد: للّه درّك! و لن تغالب امرأة إلّا غلبت. ثم قال لها: أ لك بعل؟ قالت: لي من الرجال من أنا بعله. قال: فقال أبو جعفر: صدقت، مثلك من تملك بعلها و لا يملكها. قال: فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه زينب بنت معيقب [٣].
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء:
صوت
نظرت إليها نظرة و هي عاتق
على حين أن شبّت و بان نهودها
نظرت إليها نظرة ما يسّرني
بها حمر أنعام البلاد و سودها
و كنت إذا ما جئت سعدى بأرضها
أرى الأرض تطوى لي و يدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
عروضه من الطويل. البيت الأول لكثيّر، و الثاني و الثالث لنصيب من قصيدته التي أوّلها:
لقد هجرت سعدى و طال صدودها غنّى في البيت الثاني و الثالث جحدر الراعي خفيف رمل بالبنصر. و غنّى فيهما الهذليّ رملا بالوسطى. و غنّى في الثالث و الرابع دعامة ثقيلا أوّل بالبنصر.
عمر الوادي يأخذ صوتا عن راعي غنم في شعر له:
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال عمر الواديّ، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني مكين العذريّ قال:
/ سمعت عمر الواديّ يقول: بينا أنا أسير بين الرّوحاء و العرج إذ سمعت إنسانا يغنّي غناء لم أسمع/ قطّ مثله في بيتي كثيّر:
[١] هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر المدني المعروف بالباقر توفي سنة ١١٤ ه.
[٢] في الأصول: «فأينا كان به أحنى و عليه أرأف». و التصويب عن «تجريد الأغاني».
[٣] في ج: «معيقيب».