الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٥ - أول عشيقه لبني ثم زواجه بها
أول عشيقه لبني ثم زواجه بها:
أخبرنا بخبر قيس و لبنى امرأته جماعة من مشايخنا في قصص متّصلة و منقطة و أخبار منثورة و منظومة، فألّفت ذلك أجمع ليتّسق حديثه إلّا ما جاء مفردا و عسر إخراجه عن جملة النظم فذكرته على حدة. فممّن أخبرنا بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة و لم يتجاوزه إلى غيره، و إبراهيم بن محمد بن أيّوب عن ابن قتيبة، و الحسن بن عليّ عن محمد بن موسى بن حمّاد البربريّ عن أحمد بن القاسم بن يوسف عن جزء بن قطن عن جسّاس بن محمد عن محمد بن أبي السّريّ عن هشام بن الكلبيّ و على روايته أكثر المعوّل. و نسخت أيضا من أخباره المنظومة أشياء ذكرها القحذميّ عن رجاله، و خالد بن كلثوم عن نفسه و من روى عنه، و خالد بن جمل و نتفا حكاها اليوسفيّ صاحب الرسائل عن أبيه عن أحمد بن حمّاد عن جميل عن ابن أبي جناح الكعبيّ. و حكيت كلّ متّفق فيه متصلا، و كل مختلف في معانيه منسوبا إلى راويه. قالوا جميعا:
كان منزل/ قومه في ظاهر المدينة، و كان هو و أبوه من حاضرة المدينة. و ذكر خالد بن كلثوم أن منزله كان يسرف [١]، و احتجّ بقوله:
الحمد للّه قد أمست مجاورة
أهل العقيق و أمسينا على سرف
قالوا: فمرّ قيس لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة، فوقف على خيمة منها و الحيّ خلوف [٢] و الخيمة خيمة لبنى بنت الحباب الكعبيّة، فاستسقى ماء، فسقته و خرجت/ إليه به، و كانت امرأة مديدة القامة شهلاء [٣] حلوة المنظر و الكلام. فلما رآها وقعت في نفسه، و شرب الماء. فقالت له: أتنزل فتتبرّد عندنا؟ قال: نعم. فنزل بهم. و جاء أبوها فنحر له و أكرمه. فانصرف قيس و في قلبه من لبنى حرّ لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع و روي. ثم أتاها يوما آخر و قد اشتدّ وجده بها، فسلّم فظهرت له و ردّت سلامه و تحفّت به؛ فشكا إليها ما يجد بها و ما يلقى من حبّها، و شكت إليه مثل ذلك فأطالت؛ و عرف كلّ واحد منهما ما له عند صاحبه. فانصرف إلى أبيه و أعلمه حاله و سأله أن يزوّجه إياها. فأبى عليه و قال: يا بنيّ، عليك بإحدى بنات عمّك فهنّ أحقّ بك. و كان ذريح كثير المال موسرا، فأحبّ ألّا يخرج ابنه إلى غريبة. فانصرف قيس و قد ساءه ما خاطبه أبوه به. فأتى أمّه فشكا ذلك إليها و استعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحبّ. فأتى الحسين بن عليّ بن أبي طالب و ابن أبي عتيق فشكا إليهما ما به و ما ردّ عليه أبوه. فقال له الحسين: أنا أكفيك. فمشى معه إلى أبي لبنى. فلما بصر به أعظمه و وثب إليه، و قال له: يا ابن رسول اللّه، ما جاء بك؟ أ لا بعثت إليّ فأتيتك! قال: إن الذي جئت فيه يوجب قصدك و قد جئتك خاطبا ابنتك لبنى لقيس بن ذريح. فقال: يا ابن رسول اللّه، ما كنّا لنعصي لك أمرا و ما بنا عن الفتى رغبة، و لكن أحبّ الأمر إلينا أن يخطبها ذريح أبوه علينا و أن يكون ذلك عن أمره، فإنّا نخاف إن لم يسع أبوه في هذا أن يكون عارا و سبّة علينا. فأتى الحسين رضي اللّه عنه ذريحا و قومه و هم مجتمعون، فقاموا إليه إعظاما له و قالوا له مثل قول الخزّاعيّين. فقال لذريح: أقسمت عليك إلّا خطبت لبنى لابنك قيس. قال: السمع و الطاعة لأمرك. فخرج معه في وجوه من قومه حتى أتوا لبنى فخطبها/ ذريح على ابنه إلى أبيها فزوّجه إيّاها، و زفّت إليه بعد ذلك.
[١] سرف: موضع على ستة أميال من مكة.
[٢] خلوف: غيب.
[٣] الشهلاء: التي يخالط سواد عينيها زرقة.