الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٠ - حسرته على فراقها و تأنيبه نفسه
خرج في فتية إلى بلادها حتى رآها، و شعره في ذلك:
خرج قيس في فتية من قومه و اعتلّ على أبيه بالصيد، فأتى بلاد لبنى، فجعل يتوقّع أن يراها أو يرى من يرسل إليها. فاشتغل الفتيان بالصيد؛ فلما قضوا و طرهم منه رجعوا إليه و هو واقف، فقالوا له: قد عرفنا ما أردت بإخراجنا معك و أنك لم ترد الصيد و أنما أردت لقاء لبنى، و قد تعذّر عليك فانصرف الآن. فقال:
و ما حائمات حمن يوما و ليلة
على الماء يغشين العصيّ حوان
عوافي [١] لا يصدرن عنه لوجهة
و لا هنّ من برد الحياض دوان
يرين حباب الماء و الموت دونه
فهنّ لأصوات السّقاة روان
بأجهد منّي حرّ شوق و لوعة
عليك و لكنّ العدوّ عداني
خليليّ إني ميّت أو مكلّم
لبينى بسرّي فامضيا و ذراني
أنل حاجتي وحدي و يا ربّ حاجة
قضيت على هول و خوف جنان
فإنّ أحقّ الناس ألا تجاوزا [٢]
و تطّرحا من لو يشاء شفاني
و من قادني للموت حتى إذا صفت
مشاربه السمّ الذّعاف سقاني
/ قال: فأقاموا معه حتى لقيها، فقالت له: يا هذا، إنك متعرّض لنفسك و فاضحي. فقال لها:
صدعت القلب ثم ذررت فيه
هواك فليم فالتأم الفطور [٣]
تغلغل حيث لم يبلغ شراب
و لا حزن و لم يبلغ سرور
أبو السائب المخزومي و شعر قيس:
و قال القحذميّ حدّثني أبو الوردان قال حدّثني أبي قال: أنشدت أبا السّائب المخزوميّ قول قيس:
صدعت القلب ثم ذررت فيه
هواك فليم فالتأم الفطور
فصاح بجارية له سنديّة تسمّى زبدة، فقال: أي زبدة عجّلي. فقالت: أنا أعجن. فقال: ويحك! تعالي و دعي العجين. فجاءت فقال لي: أنشد بيتي قيس فأعدتهما. فقال لها: يا زبدة، أحسن قيس و إلّا فأنت حرّة! ارجعي الآن إلى عجينك أدركيه لا يبرد.
حسرته على فراقها و تأنيبه نفسه:
قالوا: و جعل قيس يعاتب نفسه في طاعته أباه في طلاقه لبنى و يقول: فألّا رحلت بها عن بلده فلم أر ما يفعل و لم يرني! فكان إذا فقدني أقلع عمّا يفعله و إذا فقدته لم أتحرّج من فعله! و ما كان عليّ لو اعتزلته و أقمت في حيّها أو في بعض بوادي العرب، أو عصيته فلم أطعه! هذه جنايتي على نفسي فلا لوم على أحد! و ها أنا ذا ميّت مما فعلته،
[١] العوافي: جمع عافية و هي التي ترد الماء.
[٢] كذا في ج: و في سائر الأصول: «فإني أحق الناس ألا تحاورا».
[٣] الفطور: الشقوق.