الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٥ - زوجه أبوه غيرها ليسلوها فتزوجت لبنى، و ما قال في ذلك من الشعر
قال: فأنشدته أنا لقيس:
تعلّق روحي روحها قبل خلقنا
و من بعد ما كنّا نطافا و في المهد
فزاد كما زدنا و أصبح ناميا
و ليس إذا متنا بمنتقض العهد
و لكنّه باق على كل حادث
و زائرنا في ظلمة القبر و اللّحد
فحلف لا يزال يقوم و يقعد حتى يرويها. فدخل زقاق النّبالين و جعلت أردّدها عليه و يقوم و يقعد حتى رواها.
رجع الخبر إلى سياقته.
زوجه أبوه غيرها ليسلوها فتزوّجت لبنى، و ما قال في ذلك من الشعر:
و قال خالد بن جمل: فلمّا طال على قيس ما به أشار قومه على أبيه بأن يزوّجه امرأة جميلة فلعلّه أن يسلو بها عن لبنى. فدعاه إلى ذلك فأباه و قال:
لقد خفت ألّا تقنع النفس بعدها
بشيء من الدنيا و إن كان مقنعا
و أزجر عنها النفس إذ حيل دونها
و تأبى إليها النفس إلّا تطلّعا
/ فأعلمهم أبوه بما ردّ عليه. قالوا: فمره بالمسير في أحياء العرب و النزول عليهم فلعلّ عينه أن تقع على امرأة تعجبه. فأقسم عليه أبوه أن يفعل. فسار حتى نزل بحيّ من فزارة، فرأى جارية حسناء قد حسرت برقع خزّ عن وجهها و هي كالبدر ليلة تمّه، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: لبنى. فسقط على وجهه مغشيّا عليه، فنضحت على وجهه ماء و ارتاعت لما عراه، ثم قالت: إن لم يكن هذا قيس بن ذريح إنه لمجنون! فأفاق فنسبته فانتسب.
فقالت: قد علمت أنك قيس، و لكن نشدتك باللّه و بحقّ لبنى إلّا أصبت من طعامنا. و قدّمت إليه طعاما، فأصاب منه بإصبعه. و ركب فأتى على أثره أخ لها كان غائبا، فرأى مناخ ناقته، فسألهم عنه فأخبروه، فركب حتى ردّه إلى منزله، و حلف عليه ليقيمنّ عنده شهرا. فقال له: لقد شققت عليّ، و لكنّي سأتبع هواك، و الفزاريّ يزداد إعجابا بحديثه و عقله و روايته، فعرض عليه الصّهر. فقال له: يا هذا إن فيك لرغبة، و لكنّي في شغل لا ينتفع بي معه.
فلم يزل يعاوده و الحيّ يلومونه و يقولون له: قد خشينا أن يصير علينا فعلك سبّة. فقال: دعوني، ففي مثل هذا الفتى يرغب الكرام. فلم يزل به حتى أجابه و عقد الصّهر بينه و بينه على أخته المسماة لبنى، و قال له: أنا أسوق عنك صداقها. فقال: أنا و اللّه يا أخي أكثر قومي مالا، فما حاجتك إلى تكلّف هذا؟ أنا سائر إلى قومي و سائق إليها المهر. ففعل و أعلم أباه الذي كان منه، فسرّه و ساق المهر عنه. و رجع إلى الفزاريّين حتى أدخلت عليه زوجته، فلم يروه هشّ إليها و لا دنا منها و لا خاطبها بحرف و لا نظر إليها. و أقام على ذلك أياما كثيرة. ثم أعلمهم أنه يريد الخروج إلى قومه أياما فأذنوا له في ذلك، فمضى لوجهه إلى المدينة. و كان له صديق من الأنصار بها؛ فأتاه فأعلمه الأنصاريّ أن خبر تزويجه بلغ لبنى فغمّها و قالت: إنه لغدّار! و لقد كنت أمتنع من إجابة قومي إلى التزويج فأنا الآن أجيبهم، و قد كان/ أبوها شكا قيسا إلى معاوية/ و أعلمه تعرّضه لها بعد الطلاق. فكتب إلى مروان بن الحكم يهدر دمه إن تعرّض لها، و أمر أباها أن يزوّجها رجلا يعرف بخالد بن حلّزة من بني عبد اللّه بن غطفان- و يقال: بل أمره بتزويجها رجلا من آل كثير بن الصّلت الكنديّ حليف قريش- فزوّجها أبوها منه. قال: فجعل نساء الحيّ يقلن ليلة زفافها: