الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٨ - سأل كثير يزيد بن عبد الملك عن معنى بيت له فسبه
و ما معناه؟ و من أجاب فيه أجزناه، و الخادم يسمع. فقال العراقيّ للخادم: أ تحبّ أن أشرح لك قائله و فيم قاله؟
قال: نعم. قال: يقوله عديّ بن زيد في صفة البطّيخ الرّمسيّ. فقال ذلك الخادم. فضحك عبد الملك حتى سقط.
فقال له الخادم: أخطأت أم أصبت؟ فقال: بل/ أخطأت. فقال: يا أمير المؤمنين، هذا العراقيّ فعل اللّه به و فعل لقّننيه. فقال: أيّ الرجال هو؟ فأراه إياه. فعاد إليه عبد الملك و قال: أنت لقّنته هذا؟ قال: نعم. قال: أ فخطأ لقّنته أم صوابا؟ قال: بل خطأ. قال: و لم؟ قال: لأني كنت متحرّما بمائدتك فقال لي كيت و كيت، فأردت أن أكفّه عنّي و أضحكك. قال: فكيف الصواب؟ قال: يقوله الشمّاخ بن ضرار الغطفانيّ في صفة البقر الوحشيّة قد جزأت بالرّطب عن الماء. قال: صدقت و أجازه، ثم قال له: حاجتك؟ قال: تنحّي هذا عن بابك فإنه يشينه.
سأل كثير يزيد بن عبد الملك عن معنى بيت له فسبه:
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال كتب إليّ إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أن أبا عبيدة حدّثه عن غير واحد من أهل المدينة:
/ أن يزيد بن عبد الملك لمّا قدم عليه الأحوص وصله بمائة ألف درهم. فأقبل إليه كثيّر يرجو أكثر من ذلك، و كان قد عوّده من كان قبل يزيد من الخلفاء أن يلقى عليهم بيوت الشعر و يسألهم عن المعاني. فألقى على يزيد بيتا و قال: يا أمير المؤمنين، ما يعني الشمّاخ بقوله:
فما أروى و إن كرمت علينا
بأدنى من موقّفة حرون [١]
تطيف على الرّماة فتتّقيهم
بأوعال معطّفة القرون [٢]
فقال يزيد: و ما يضرّ يا ماصّ بظر أمّه ألّا يعلم أمير المؤمنين هذا! و إن احتاج إلى علمه سأل عبدا مثلك عنه!. فندم كثيّر و سكّته من حضر من أهل بيته، و قالوا له: إنه قد عوّده من كان قبلك من الخلفاء أن يلقى عليه أشباه هذا، و كانوا يشتهونه منه و يسألونه إياه؛ فطفئ عنه غضبه. و كانت جائزته ثلاثين ألفا، و كان يطمع في أكثر من جائزة الأحوص.
و أخبرنا أبو خليفة بهذا الخبر عن محمد بن سلّام فذكر أنه سأل يزيد عن قول الشمّاخ:
و قد عرقت مغابنها و جادت
بدرّتها قرى حجن قتين [٣]
- جمع عيناء. و المعنى: أن الوحوش تتخذ كناسين عن جانبي الشجر تستتر فيهما من حر الشمس فترقد قبل زوال الشمس في الكناس الغربي، فإذا زالت الشمس إلى ناحية المغرب و تحول الظل فصار فيئا زالت عن الكناس الغربي و رقدت في الكناس الشرقي. (راجع «ديوانه» ص ٩٤).
[١] كذا في ج و «ديوانه». و قد جاء فيه شرح هذا البيت هكذا: الموقفة: الأروية (أنثى الوعول) التي في قوائمها خطوط كأنها الخلاخيل.
و الوقف: الخلخال. و التوقيف: البياض مع السواد. فأراد أن في قوائمها خطوطا تخالف لونها. و الحرون: التي تحرن في أعلى الجبل فلا تبرح. و أروى: اسم محبوبته. يريد أن محبوبته ليست بأقرب من هذه الأروية التي لا تنال. و في سائر الأصول: «مفوقة» و هو تحريف.
[٢] أي تطيف بهذه الأروية الرماة فلا تبرح لأنها في أعلى الجبل و دونها أو عال فلا يصل إليها نبل الرماة، لأنهم يرمون الأوعال لأنها أقرب إليهم فكأنها تقي نفسها بها. و إنما يؤكد بهذا بعدها و أنها لا يقدر عليها.
[٣] كذا في «ديوانه» و «اللسان» مادة «حجن و جحن» و المغابن: الآباط، و قيل: الأرفاغ. و القتين: مثل الحجن، أراد به قرادا سيئ الغذاء، و جعل عرق هذه الناقة قوتا له. و في الأصول: «بدرتها بها حجن قتين».