الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨ - نزل مرعي لإبله فضيق عليه أهله فذم جوارهم
بالعقر [١]. فقال: ما أجلّ الخطب! ضحّى آل أبي سفيان بالدّين [٢] يوم الطّفّ، و ضحّى بنو مروان بالكرم يوم العقر! ثم انتضحت عيناه باكيا. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فدعا به. فلما دخل عليه قال: عليك لعنة اللّه! أ ترابيّة [٣] و عصبيّة! و جعل يضحك منه.
سأله عبد الملك عن أشعر الناس فأجابه:
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد عن أبيه قال:
قال عبد الملك بن مروان لكثيّر: من أشعر الناس اليوم يا أبا صخر؟ قال: من يروي أمير المؤمنين شعره.
فقال عبد الملك: أما إنّك لمنهم.
جواب عبد الملك له و قد سأله عن شعره:
أخبرنا وكيع قال حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن ابن أبي [٤] عوف عن عوانة قال:
قال كثيّر لعبد الملك: كيف ترى شعري يا أمير المؤمنين؟ قال أراه يسبق السحر، و يغلب الشعر.
كان عبد الملك يروي أولاده شعره:
أخبرنا عمّي عن الكرانيّ عن النّضر بن عمر قال:
كان عبد الملك بن مروان يخرج شعر كثيّر إلى مؤدّب ولده مختوما يروّيهم إياه و يرده.
نزل مرعي لإبله فضيق عليه أهله فذم جوارهم:
أخبرنا الحرميّ قال أخبرنا الزّبير قال حدّثنا عبد اللّه بن خالد الجهنيّ:
أن كثيّرا شبّ في حجر عمّ له صالح، فلما بلغ الحلم أشفق عليه أن يسفه، و كان غير جيّد الرأي و لا حسن النظر في عواقب الأمور. فاشترى له عمّه قطيعا من الإبل و أنزله فرش [٥] ملل فكان به، ثم ارتفع فنزل فرع المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من جبل جهينة الأصغر، و كان قبل المسور لبني مالك بن أفصى، فضيّقوا على كثيّر و أساءوا جواره، فانتقل عنهم و قال:
[١] هو عقر بابل قرب كربلاء من الكوفة قتل عنده يزيد بن المهلب بن أبي صفرة سنة ١٠٢، و كان خلع طاعة بني مروان و دعا إلى نفسه و أطاعه أهل البصرة و الأهواز و واسط و خرج في مائة و عشرين ألفا. فندب له يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة فوافقه بالعقر من أرض بابل فأجلت الحرب عن قتله. (عن «معجم البلدان» لياقوت).
[٢] كذا في «وفيات الأعيان» لابن خلكان (ج ١ ص ٦١٨). و في الأصول: «بالدمن» و هو تحريف. و الطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية، فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي اللّه عنه.
[٣] يعني أنه من شيعة أبي تراب، و هو لقب علي بن أبي طالب كما أسلفنا.
[٤] في ج: «عن أبي عوف عن عوانة».
[٥] في الأصول: «فرش مالك». و التصويب عن «القاموس» و «شرحه». و فرش ملل: واد بين عميس الحمائم و صخيرات الثمامة بالقرب من ملل قرب المدينة، يقال له الفرش و فرش ملل، أضيف إلى ملل لقربه منه. و هذه كلها مواضع نزلها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حين مسيره إلى بدر. راجع «القاموس و شرحه» مادة فرش و «معجم البلدان» لياقوت في الكلام عن فرش).