الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٥ - امتياز إسحاق على المغنين في مجلسه
قال عليّ بن يحيى خاصّة في خبره: فقال لي أحمد بن إبراهيم: يا أبا الحسن، أخبرني لو قال الخليفة لإسحاق:
أحضر لي فضلا و حمّادا أ ليس كان يفتضح إسحاق! (يعني من دمامة خلقتهما و تخلّف شاهدهما).
خرج معه إسحاق إلى النجف، و شعره فيها و في حنينه إلى ولده:
قال إسحاق: ثم انحدرت مع الواثق إلى النّجف، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد قلت في النّجف قصيدة.
فقال: هاتها؛ فأنشدته قولي:
يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف
نحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف
/ لم ينزل الناس في سهل و لا جبل
أصفى هواء و لا أغذى من النّجف
حفّت ببرّ و بحر في جوانبها
فالبرّ في طرف و البحر في طرف
ما إن يزال نسيم من يمانية
يأتيك منها بريّا روضة أنف
حتى انتهيت إلى مديحه فقلت و قد انتهيت إلى قولي فيه:
لا يحسب الجود يفني ماله أبدا
و لا يرى بذل ما يحوي من السّرف
فقال لي: أحسنت يا أبا محمد! فكنّاني، و أمر لي بألف درهم. و انحدرنا إلى الصالحيّة التي يقول فيها أبو نواس:
فالصالحيّة من أكناف كلواذا [١]
و ذكرت الصبيان و بغداد فقلت:
أ تبكي على بغداد و هي قريبة
فكيف إذا ما ازددت منها غدا بعدا
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى
لو انّا وجدنا من فراق لها بدّا
/ إذا ذكرت بغداد نفسي تقطّعت
من الشوق أو كادت تموت بها وجدا
كفى حزنا أن رحت لم تستطع لها
وداعا و لم تحدث لساكنها عهدا
فقال لي: يا موصليّ، لقد اشتقت إلى بغداد! فقلت: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، و لكني اشتقت إلى الصبيان، و قد حضرني بيتان. فقال هاتهما. فقلت:
حننت إلى الأصيبية الصّغار
و شاقك منهم قرب المزار
و كلّ مفارق يزداد شوقا
إذا دنت الدّيار من الديار
فقال لي: يا إسحاق، سر إلى بغداد فأقم شهرا مع صبيانك ثم عد إلينا، و قد أمرت لك بمائة ألف درهم.
امتياز إسحاق على المغنين في مجلسه:
أخبرني جحظة عن ابن حمدون: أن إسحاق كان يحضر مجالس الخلفاء إذا جلسوا للشّرب في جملة المغنّين و عوده معه إلى أيام الواثق، فإنه كان إذا قدم عليه يحضر مع الجلساء بغير عود، و يدنيه الواثق و لا يغنّي حتى يقول له: غنّ، فإذا قال له غنّ جاءوه بعود فغنّى به، و إذا فرغ رفع العود من بين يديه إكراما من الواثق له.
[١] راجع الحاشية رقم ١ ص ٣٥٧ ج ٥ من هذه الطبعة.