الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٦ - نفى الأحوص و لم يطلقه إلا يزيد بن عبد الملك
قال: و قال عبد اللّه بن عمر، و قد أنشده عمر بن أبي ربيعة شعره هذا: يا ابن أخي! أ ما اتّقيت اللّه حيث تقول:
ليت ذا الدهر كان حتما علينا
كلّ يومين حجّة و اعتمارا
فقال له عمر بن أبي ربيعة: بأبي أنت و أمي! إني وضعت ليتا حيث لا تغنى.
أمر عمر بن عبد العزيز بنفيه ثم خلاه لما تاب:
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه، و أخبرني عليّ بن عبد العزيز عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن إسحاق، و أخبرني ببعض هذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكار قال حدّثنا مصعب بن عثمان:
أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة لم تكن له همة إلا عمر بن أبي ربيعة و الأحوص. فكتب إلى عامله على المدينة: «قد عرفت عمر و الأحوص بالخبث و الشرّ. فإذا أتاك كتابي هذا فاشددهما و احملهما إليّ». فلما أتاه الكتاب حملهما إليه. فأقبل على عمر فقال له هيه!
فلم أر كالتّجمير منظر ناظر
و لا كليالي الحجّ أفلتن ذا هوى
و كم مالئ عينيه من شيء غيره
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون! أما و اللّه لو اهتممت بأمر حجّك لم تنظر إلى شيء غيرك! ثم أمر بنفيه. فقال: يا أمير المؤمنين، أو خير من ذلك؟ قال: و ما هو؟ قال: أعاهد اللّه ألّا أعود إلى مثل هذا الشعر و لا أذكر النساء في شعر أبدا و أجدّد توبة على يديك. قال: أو تفعل؟ قال نعم. فعاهد اللّه على توبة و خلّاه. ثم دعا بالأحوص فقال هيه!
نفى الأحوص و لم يطلقه إلا يزيد بن عبد الملك:
اللّه بيني و بين قيّمها
يهرب منّي بها و أتّبع
با اللّه بين قيّمها و بينك! ثم أمر بنفيه إلى بيش [١]، و قيل إلى دهلك و هو الصحيح، فنفي إليها، فلم يزل بها. فرحل إلى عمر عدّة من الأنصار فكلّموه في أمره و سألوه أن يقدمه و قالوا له: قد عرفت نسبه و قدمه و موضعه و قد أخرج إلى بلاد/ الشرك، فنطلب إليك أن تردّه إلى حرم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و دار قومه. فقال لهم عمر: من الذي يقول:
فما هو إلّا أن أراها فجاءة
فأبهت حتى ما أكاد أحير
- و في رواية الزبير «أجيب» مكان «أخير»- قالوا: الأحوص [٢]. قال: فمن الذي يقول:
أدور و لو لا أن أرى أمّ جعفر
بأبياتكم ما درت حيث أدور
و ما كنت زوّارا و لكنّ ذا الهوى
إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:
[١] بيش: من بلاد اليمن قرب دهلك. و دهلك جزيرة في بحر اليمن، مرسى بين بلاد اليمن و الحبشة، بلدة ضيقة حرجة حارة و هي تجاه مصوع. و كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها. (عن «معجم البلدان» لياقوت).
[٢] نسب هذا البيت لعروة بن حزام. (انظره في ترجمته ج ٢٠ ص ١٥٦ من «الأغاني» طبع بلاق).