الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٢ - كان يعرض غناءه على إسحاق فيدلي فيه برأيه
تقدير إسحاق لغناء الواثق:
قال أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى و أخبرني أبي رحمه اللّه عن إسحاق أنه قال: لمّا صنعت لحني في:
خليليّ عوجا من صدور الرواحل
غنّيته الواثق فاستحسنه و عجب من صحّة قسمته، و مكث صوته أيّاما ثم قال لي: يا إسحاق، قد صنعت لحنا في صوتك و في إيقاعه، و أمر فغنّيت به؛ فقلت:/ يا أمير المؤمنين، بغّضت إليّ لحني و سمّجته عندي. و قد كنت استأذنته مرّات في الانحدار إلى بغداد بعد أن ألقيت اللحن الذي كان أمرني بصنعه في:
لقد بخلت حتى لو اني سألتها فمنعني و دافعني بذلك. فلما صنع لحنه الرّمل في:
خليليّ عوجا من صدور الرّواحل
قلت له: يا أمير المؤمنين، قد و اللّه اقتصصت و زدت؛ فأذن لي بعد ذلك. قال أبو الحسن عليّ بن يحيى قلت لإسحاق: فأيّهما أجود الآن لحنك/ فيه أو لحنه؟ فقال: لحني أجود قسمة و أكثر عملا، و لحنه أظرف، لأنه جعل ردّته من نفس قسمته، فليس يقدر على أدائه إلا متمكّن من نفسه. قال أبو الحسن: فتأمّلت اللحنين بعد ذلك فوجدتهما كما ذكر إسحاق. قال و قال لي إسحاق: ما كان يحضر مجلس الواثق أعلم منه بالغناء.
فأمّا نسبة هذين الصوتين، فإن أحدهما قد مضى و مضت نسبته. و الآخر:
صوت
أيا منشر الموتى أقدني من التي
بها نهلت نفسي سقاما و علّت
لقد بخلت حتى لو انّي سألتها
قذى العين من ضاحي التّراب لضنّت
الشعر لأعرابيّ رواه إسحاق عنه و لم يذكر اسمه، و الناس يغلطون فينسبونه إلى كثيّر و يظنّونه من قصيدته التي أوّلها:
خليليّ هذا رسم عزّة فاعقلا
قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت
و هذا خطأ ممن قال ذلك. و الغناء للواثق ثاني ثقيل بالوسطى. و لإسحاق في البيت الثاني و بعده بيت ألحقه به ليس من الشعر ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. و البيت الذي ألحقه إسحاق به من شعره:
/
فإن بخلت فالبخل منها سجية
و إن بذلت أعطت قليلا و أكدت
كان يعرض غناءه على إسحاق فيدلي فيه برأيه:
أخبرني عمّي رحمه اللّه قال حدّثني أبو جعفر بن الدّهقانة النّديم قال:
كان الواثق إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره و قال: وقع إلينا صوت قديم من بعض العجائز ما سمعه أحد، و يأمر من يغنّيه إيّاه. و كان إسحاق يأخذ نفسه في ذلك بقول الحق أشدّ أخذ، فإن كان جيّدا من صناعته قرّظه و وصفه و استحسنه، و إن كان مطّرحا أو فاسدا أو متوسّطا ذكر ما فيه. فربّما كان للواثق فيه هوّى فيسأله عن تقويمه و إصلاح فساده، و ربما اطّرحه بقول إسحاق فيه؛ إلى أن صنع لحنا في قول الشاعر: