الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٠ - ابن عائشة يذكر بحادثة لكثير و عزة فيغني بشعر
فارقوني و قد علمت يقينا
ما لمن ذاق ميتة من إياب
فلي الويل بعدهم و عليهم
صرت فردا و ملّني أصحابي
عروضه من الخفيف. الشئون: الشّعب التي يتداخل بعضها في بعض من عظام الرأس، واحدها شأن مهموزا.
و الجزع: منعطف الوادي. و صفيّ [١] السّباب: جمع صفاة و هي الحجارة. و لقّبت صفيّ السّباب لأن قوما من قريش و مواليهم كانوا يخرجون إليها بالعشيّات يتشاتمون و يذكرون المعايب و المثالب التي يرمون بها؛ فسمّيت تلك الحجارة صفيّ السّباب.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه قال يقال: صفا السّباب و صفيّ السّباب بفتح الفاء و كسرها جميعا، و هو شعب من/ شعاب مكة فيها صفّا أي صخر مطروح. و كانت قريش تخرج فتقف على ذلك الموضع فيفتخرون ثم يتشاتمون و ذلك في الجاهلية فلا يفترقون إلا عن قتال؛ ثم صار ذلك في صدر من الإسلام أيضا حتى نشأ سديف مولى عتبة [٢] بن أبي سديف و شبيب مولى بني أميّة، فكان هذا يخرج في موالي بني هاشم و هذا في موالي بني أميّة، فيفتخرون ثم يتشاتمون ثم يتجالدون بالسيوف. و كان يقال لهم السّديفيّة و الشّبيبيّة. و كان أهل مكّة مقتسمين بينهما في العصبيّة؛ ثم درس ذلك فصارت العصبيّة بمكة بين الجزّارين و الحنّاطين، فهي بينهم إلى اليوم، و كذلك بالمدينة في القمار و غيره.
الشعر لكثير بن كثير بن المطّلب بن أبي وداعة السّهميّ، و قيل: بل هو لكثيّر عزّة. و قد روي في ذلك خبر نذكره. و الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة أنّ فيه ثقيلا أوّل بالخنصر للغريض و لحنا آخر لابن عبّاد و لم يجنّسه. و لابن جامع في الخامس و السادس رمل بالوسطى. و لابن سريج في الأربعة الأول ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و لابن أبي دباكل الخزاعيّ فيها ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ و أبي أيّوب المدنيّ و حبش. فمن روى هذا الشعر لكثيّر عزّة يرويه:
إنّ أهل الخضاب قد تركوني
و يزعم أن كثيّرا قاله في خضاب/ خضبته عزّة به.
ابن عائشة يذكر بحادثة لكثير و عزة فيغني بشعر:
أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة و لم يتجاوزه، و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني الزّبيريّ/ قال حدّثني بهذا الخبر أيضا و فيه زيادة و خبره أحسن و أكثر تلخيصا و أدخل في معنى الكتاب، قال الزّبيريّ حدّثني أبي قال:
خرجت إلى ناحية فيد [٣] متنزّها، فرأيت ابن عائشة يمشي بين رجلين من آل الزّبير و إحدى يديه على يد هذا و الأخرى على يد هذا، و هو يمشي بينهما كأنه امرأة تجلى على زوجها. فلمّا رأيتهم دنوت فسلّمت و كنت أحدث القوم سنا، فاشتهيت غناء ابن عائشة فلم أدر كيف أصنع. و كان ابن عائشة إذا هيّجته تحرّك. فقلت: رحم اللّه كثيّرا
[١] صفيّ: جمع صفا، و صفا جمع صفاة. فصفّى جمع الجمع لصفاة.
[٢] في ج: «مولى بني عتبة بن سديف».
[٣] فيد: منزل بطريق مكة.