الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٠ - قصته مع لبنى و زوجها و قد باعه ناقة و هو لا يعرفه
شهدت على نفسي بأنك غادة
رداح و أنّ الوجه منك عتيق [١]
و أنك لا تجزينني بصحابة
و لا أنا للهجران منك مطيق
و أنك قسّمت الفؤاد فنصفه
رهين و نصف في الحبال وثيق
صبوحي إذا ما ذرّت الشمس ذكركم
و لي ذكركم عند المساء غبوق
إذا أنا عزّيت الهوى أو تركته
أتت عبرات بالدموع تسوق
كأنّ الهوى بين الحيازيم و الحشى
و بين التّراقي و اللّهاة [٢] حريق
فإن كنت لمّا تعلمي العلم فاسألي
فبعض لبعض في الفعال فئوق
سلي هل قلاني من عشير صحبته
و هل ملّ رحلي في الرّفاق رفيق
و هل يجتوي القوم الكرام صحابتي
إذا اغبرّ مخشيّ الفجاج عميق
و أكتم أسرار الهوى فأميتها
إذا باح مزّاح بهنّ بروق [٣]
سعى الدهر و الواشون بيني و بينها
فقطّع حبل الوصل و هو وثيق
هل الصبر إلا أن أصدّ فلا أرى
بأرضك إلّا أن يكون طريق
قصته مع لبنى و زوجها و قد باعه ناقة و هو لا يعرفه:
قال: ثم أتى قومه فاقتطع قطعة من إبله و أعلم أباه أنه يريد المدينة ليبيعها و يمتار لأهله بثمنها. فعرف أبوه أنه إنما يريد لبنى، فعاتبه و زجره عن ذلك؛ فلم يقبل منه، و أخذ إبله و قدم بها المدينة. فبينا هو يعرضها إذ ساومه زوج لبنى بناقة منها و هما لا يتعارفان، فباعه إيّاها./ فقال له: إذا كان غد فأتني في دار كثير بن الصّلت فاقبض الثمن؛ قال:
نعم. و مضى زوج لبنى إليها فقال لها: إني ابتعت ناقة من/ رجل من أهل البادية و هو يأتينا غدا ليقبض ثمنها، فأعدّي له طعاما، ففعلت. فلما كان من الغد جاء قيس فصوّت بالخادم: قولي لسيّدك: صاحب الناقة بالباب.
فعرفت لبنى نغمته فلم تقل شيئا. فقال زوجها للخادم: قولي له: ادخل، فدخل فجلس. فقالت لبنى للخادم: قولي له: يا فتى، مالي أراك أشعث أغبر؟ فقالت له ذلك. فتنفّس ثم قال لها: هكذا تكون حال من فارق الأحبّة و اختار الموت على الحياة، و بكى. فقالت لها لبنى: قولي له: حدّثنا حديثك. فلما ابتدأ يحدّث به كشفت الحجاب و قالت: حسبك! قد عرفنا حديثك! و أسبلت الحجاب. فبهت ساعة لا يتكلّم ثم انفجر باكيا و نهض فخرج. فناداه زوجها: ويحك! ما قصّتك؟ ارجع اقبض ثمن ناقتك، و إن شئت زدناك. فلم يكلّمه و خرج فاغترز [٤] في رحله و مضى. و قالت لبنى لزوجها: ويحك! هذا قيس بن دريح. فما حملك على ما فعلت به؟ قال: ما عرفته. و جعل قيس يبكي في طريقه و يندب نفسه و يوبّخها على فعله ثم قال:
[١] الرداح: الثقيلة الأوراك. و العتيق: الجميل الكريم.
[٢] الحيازيم: جمع حيزوم و هو وسط الصدر. و التراقي: جمع ترقوة و هي العظم الذي بين ثغرة النحر و العاتق. و اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.
[٣] في «الأمالي»: «نزوق».
[٤] أي ركب، و الغرز للجمل مثل الركاب للبغل.