الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٥ - نسبة هذا اللحن
و ذكر عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر صنعة المعتضد فقرّظها، و قال: لم أجد لحنا قديما قد جمع من النّغم ما جمعه لحن ابن محرز في شعر مسافر بن أبي عمرو و هو:
يا من لقلب مقصر
ترك المنى لفواتها
فإنه جمع من النغم العشر ثمانيا، و لحن ابن محرز أيضا في شعر كثيّر:
توهّمت بالخيف رسما محيلا
لعزّة تعرف منه الطّلولا
و هو أيضا يجمع ثمانيا من النّغم. و قد تلطّف بعض من له دربة و حذق بهذه الصناعة حتى جمع النّغم العشر في هذا الصوت الأخير متوالية، و جمعها في صوت آخر غير متوالية، و هو في شعر ابن هرمة:
فإنّك إذ أطمعتني منك بالرضا
و أيأستني من بعد ذلك بالغضب
و أعجب من ذلك ما عمله أمير المؤمنين المعتضد باللّه؛ فإنه صنع في رجز دريد بن الصّمّة «يا ليتني فيها جذع» لحنا من الثقيل الأوّل يجمع النّغم العشر، فأتى به مستوفى الصنعة محكم البناء، صحيح الأجزاء و القسمة، مشبع المفاصل، كثير الأدوار، لا حقا بجيّد صنعة الأوائل. و إنما زاد فضله على من تقدّمه لأنه عمله في ضرب من الرجز/ قصير جدّا، و استوفى فيه الصنعة كلّها على ضيق الوزن، فصار أعجب مما تقدّمه؛ إذ تلك عملت في أوزان تامّة و أعاريض طوال يتمكّن الصانع فيها من الصنعة و يقتدر على كثرة التصرّف؛ و ليس هذا الوزن في تمكّنه من ذلك فيه مثل تلك.
نسبة هذا اللحن
صوت
يا ليتني فيها جذع
أخبّ فيها و أضع]١[
أقود وطفاء [٢] الزّمع
كأنها شاة صدع ٣[
الشعر لدريد بن الصّمّة. و الغناء للمعتضد، و لحنه ثقيل أوّل يجمع النّغم العشر.
[١] الجذع: الصغير السن. و الخبب و الوضع: نوعان من السير.
[٢] الزمع: هنات شبه أظفار الغنم في الرسغ، في كل قائمة زمعتان كأنما خلقتا من قطع القرون؛ أو الزمعة: الشعرة المدلاة في مؤخر رجل الشاة و الظبي و الأرنب. و وطفاء: كثيرة الشعر سابغته. يريد فرسا هذه صفتها.
[٣] الصدع من الأوعال و الظباء و الإبل و الحمر: الفتى الشاب القوي منها.