الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦١ - وصيته لبنيه عند موته
طمعوا فيه. فلما أظلّهم و ضربت قبابه اجتمعت بنو أسد إلى نوفل بن ربيعة بن خدّان، فقال: يا بني أسد! من يتلقّى هذا الرجل منكم فيقتطعه؟ فإني قد أجمعت على الفتك به. فقال له القوم: ما لذلك أحد غيرك. فخرج نوفل في خيله حتى أغار على الثّقل فقتل من وجد فيه، و ساق الثّقل و أصاب جاريتين قينتين لحجر، ثم أقبل حتى أتى قومه. فلما رأوا ما قد حدث و أتاهم به عرفوا أن حجرا يقاتلهم و أنه لا بدّ من القتال، فحشد الناس لذلك، و بلغ حجرا أمرهم، فأقبل نحوهم. فلما غشيهم ناهضوه القتال و هم بين أبرقين من الرمل في بلادهم يدعيان اليوم أبرقي حجر، فلم يلبثوا حجرا أن هزموا أصحابه و أسروه فحبسوه. و تشاور [١] القوم في قتله، فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا فيه رأيهم: أيّ قوم! لا تعجلوا بقتل الرجل حتّى أزجر لكم. فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله.
فلمّا رأى ذلك علباء خشي أن يتواكلوا في قتله؛ فدعا غلاما من بني كاهل، و كان ابن أخته و كان حجر قتل أباه زوج أخت علباء، فقال: يا بنيّ، أ عندك خير فتثأر بأبيك و تنال شرف الدهر و إنّ قومك لن يقتلوك؟!. فلم يزل بالغلام حتى حرّبه [٢]، و دفع إليه حديدة و قد شحذها و قال: أدخل عليه مع قومك ثم اطعنه في مقتله: فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها ثم دخل على حجر في قبّته التي حبس فيها. فلمّا رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله، فوثب القوم على الغلام. فقالت بنو كاهل: ثأرنا و في أيدينا. فقال الغلام: إنما ثأرت بأبي، فخلّوا عنه. و أقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قوم! قتلتموه! ملك شهر، و ذلّ دهر. أما و اللّه لا تحظون عند الملوك بعده أبدا.
وصيته لبنيه عند موته:
قال ابن السّكّيت: و لما طعن الأسديّ حجرا و لم يجهز عليه، أوصى و دفع كتابه إلى رجل و قال له: انطلق إلى ابني نافع- و كان أكبر ولده- فإن بكى و جزع فاله عنه، و استقرهم واحدا واحدا حتى تأتي امرأ القيس- و كان أصغرهم- فأيّهم لم يجزع فادفع إليه سلاحي و خيلي و قدوري و وصيّتي. و قد كان بيّن في وصيّته من قتله و كيف كان خبره. فانطلق الرجل بوصيّته إلى نافع ابنه: فأخذ التراب فوضعه على رأسه. ثم استقراهم واحدا واحدا فكلّهم فعل ذلك، حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر و يلاعبه بالنّرد؛ فقال له: قتل حجر. فلم يلتفت إلى قوله، و أمسك نديمه. فقال له امرؤ القيس:/ اضرب فضرب. حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد عليك دستك. ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كلّه فأخبره. فقال: الخمر عليّ و النساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة و أجزّ نواصي [٣] مائة. و في ذلك يقول:
أرقت و لم يأرق لما بي نافع
و هاج لي الشوق الهموم الروادع
و قال ابن الكلبيّ: حدّثني أبي عن ابن الكاهن الأسديّ: أنّ حجرا كان طرد امرأ القيس و آلى ألّا يقيم معه أنفة من قوله الشعر، و كانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب و معه أخلاط من شذّاذ العرب من طيّىء و كلب و بكر بن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم، و خرج إلى الصيد فتصيّد ثم عاد فأكل و أكلوا معه و شرب الخمر و سقاهم و غنّته قيانه. و لا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير ثم
[١] في الأصول: «و شاور القوم».
[٢] حربه: حرشه.
[٣] يريد: حتى أقتل منهم مائة و آسر مائة. و كان من عادات العرب أنه إذا أسر الرجل منهم آخر و أراد أن يمن عليه جز ناصيته (و هي الشعر في مقدّم الرأس) و أطلقه، فتكون الناصية عنده فخرا.