الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٢ - من ثبت عنه من الخلفاء أنه غنى و من لم يثبت عنه ذلك
١١- أغاني الخلفاء و أولادهم و أولاد أولادهم
من ثبت عنه من الخلفاء أنه غنى و من لم يثبت عنه ذلك:
قال مؤلف هذا الكتاب: المنسوب إلى الخلفاء من الأغاني و الملصق بهم منها لا أصل لجلّه و لا حقيقة لأكثره، لا سيّما ما حكه ابن خرداذبه فإنه بدأ بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فذكر أنه تغنّى في هذا البيت:
كأنّ راكبها غصن بمروحة
ثم والى بين جماعة من الخلفاء واحدا بعد واحد، حتى كأن ذلك عنده ميراث من مواريث الخلافة أو ركن من أركان الإمامة لا بدّ منه و لا معدل عنه، يخبط خبط العشواء و يجمع جمع حاطب الليل. فأمّا عمر بن الخطاب فلو جاز هذا أن يروى عن كل أحد لبعد عنه؛ و إنما روي أنه تمثّل بهذا البيت و قد ركب ناقة فاستوطأها، لا أنه غنّى به، و لا كان الغناء العربيّ أيضا عرف في زمانه إلا ما كانت العرب تستعمله من النّصب [١] و الحداء، و ذلك جار مجرى الإنشاد إلا أنه يقع بتطريب و ترجيع يسير و رفع للصوت. و الذي صحّ من ذلك عن رواة هذا الشأن فأنا ذاكر منه ما كان متقن الصّنعة لا حقا بجيّد الغناء قريبا من صنعة الأوائل و سالكا مذاهبهم لا ما كان ضعيفا سخيفا، و جامع منه ما اتصل به خبر له يستحسن و يجري مجرى هذا الكتاب و ما تضمّنه.
فأوّل من دوّنت له صنعة منهم عمر بن عبد العزيز؛ فإنه ذكر عنه أنه صنع في أيّام إمارته على الحجاز سبعة ألحان يذكر سعاد فيها كلّها؛ فبعضها عرفت الشاعر القائل له فذكرت خبره، و بعضها لم أعرف قائله فأتيت به كما وقع إليّ. فإن مرّ/ بي بعد وقتي هذا أثبتّه في موضعه و شرحت من أخباره ما اتصل بي، و إن لم يقع لي و وقع إلى بعض من كتب هذا الكتاب فمن أقلّ الحقوق عليه أن يتكلّف إثباته و لا يستثقل تجشّم هذا القليل فقد وصل إلى فوائد جمّة تجشّمناها له و لنظرائه في هذا الكتاب، فحظي بها من غير نصب و لا كدح؛ فإن جمال ذلك موفّر عليه إذا نسب إليه، و عيبه عنّا ساقط مع/ اعتذارنا عنه إن شاء اللّه.
و من الناس من ينكر أن تكون لعمر بن عبد العزيز هذه الصّنعة و يقول: إنها أصوات محكمة العمل لا يقدر على مثلها إلّا من طالت دربته بالصّنعة و حذق الغناء و مهر فيه و تمكّن منه. و لم يوجد عمر بن عبد العزيز في وقت من الأوقات و لا حال من الحالات اشتهر بالغناء و لا عرف به و لا بمعاشرة أهله، و لا جالس من ينقل ذلك عنه و يؤدّيه؛ و إنما هو شيء يحسّن المغنّون نسبته إليه. و روي من غير وجه خلاف لذلك و إثبات لصنعته إيّاها، و هو أصح القولين؛ لأن الذين أنكروا ذلك لم يأتوا على إنكارهم بحجّة أكثر من هذا الظن و الدعوى، و مخالفوهم قد أيّدتهم أخبار رويت.
[١] النصب: غناء للعرب يشبه الحداء إلا أنه أرق.