الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٧ - كثير و الأحوص و نصيب عند عمر بن عبد العزيز
أربعة أشهر لا نصل إليه، و جعل مسلمة يستأذن لنا فلا يؤذن. فقلت: لو أتيت المسجد يوم الجمعة فتحفّظت من كلام عمر شيئا!. فأتيت المسجد فأنّا أوّل من حفظ كلامه، سمعته يقول في خطبة له: لكل سفر زاد لا محالة، فتزوّدوا من الدنيا إلى الآخرة التّقوى، و كونوا كمن عاين ما أعدّ اللّه له من ثوابه و عقابه، فعمل طلبا لهذا و خوفا من هذا. و لا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، و تنقادوا لعدوّكم. و اعلموا أنه إنما يطمئنّ بالدنيا من وثق بالنّجاة من عذاب اللّه في الآخرة. فأما من لا يداوي جرحا إلّا أصابه جرح من ناحية أخرى، فكيف يطمئنّ بالدنيا! أعوذ باللّه أن آمركم بما أنهى نفسي عنه فتخسر صفقتي، و تبدو عيلتي، و تظهر مسكنتي يوم لا ينفع فيه إلّا الحقّ و الصدق. فارتجّ المسجد بالبكاء، و بكى عمر حتى بلّ ثوبه، حتى ظننّا أنه قاض نحبه. فبلغت إلى صاحبيّ فقلت: جدّدا لعمر من الشّعر غير ما أعددناه، فليس الرجل بدنيويّ. ثم إن مسلمة استأذن لنا يوم جمعة بعد ما أذن للعامّة. فدخلنا فسلّمنا عليه بالخلافة فردّ علينا. فقلت له:/ يا أمير المؤمنين، طال الثّواء و قلّت الفائدة و تحدّثت بجفائك إيانّا وفود العرب. فقال: يا كثيّر، أ ما سمعت إلى قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أ فمن هؤلاء أنت؟ فقلت له و أنا ضاحك: أنا ابن سبيل و منقطع به. قال: أ و لست ضيف أبي سعيد؟ قلت بلى. قال: ما أحسب من كان ضيف أبي سعيد ابن سبيل و لا منقطعا به. ثم استأذنته في الإنشاد، فقال: قل و لا تقل إلّا حقا؛ فإنّ اللّه سائلك. فقلت:
وليت فلم تشتم عليّا و لم تخف
بريّا و لم تتبع مقالة مجرم
و قلت فصدّقت الذي قلت بالذي
فعلت، فأضحى راضيا كلّ مسلم
ألا إنّما يكفي الفتى بعد زيغه
من الأود الباقي ثقاف المقوّم
لقد لبست لبس الهلوك ثيابها [١]
و أبدت لك الدنيا بكفّ و معصم
و تومض أحيانا بعين مريضة
و تبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما
سقتك مدوفا [٢] من سمام و علقم
و قد كنت من أجبالها في ممنّع
و من بحرها في مزبد الموج مفعم
و ما زلت سبّاقا إلى كلّ غاية
صعدت بها أعلى البناء المقدّم
فلما أتاك الملك عفوا و لم يكن
لطالب دنيا بعده من تكلّم
تركت الذي يفنى و إن كان مونقا
و آثرت ما يبقى برأي مصمّم
فأضررت بالفاني و شمّرت للذي
أمامك في يوم من الهول مظلم
و مالك أن كنت الخليفة مانع
سوى اللّه من مال رغيب و لا دم
/ سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق
صعدت به أعلى المعالي بسلّم
[١] الهلوك من النساء: الفاجرة المتساقطة على الرجال. و في الأصول: «لبس الملوك ببابها». و ظاهر «أنه تحريف».
[٢] مدوفا: مخلوطا. و أكثر ما يستعمل هذا اللفظ في الدواء و الطيب. و السمام: السم.