الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٢ - مفاوضات امرئ القيس و قبائل أسد بعد موت حجر
يختلج كشحاك، قال: للبسي الحبرات. قالت: فممّ تختلج فخذاك؟ قال: لركضي المطهّمات. فقالت: هذا زوجي لعمري! فعليكم به، و اقتلوا العبد، فقتلوه. و دخل امرؤ القيس بالجارية. فقال ابن هبيرة: حسبكم! فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو؛ و لن تأتينا بأعجب منه فقمنا و انصرفنا. و أمر لي بجائزة.
مفاوضات امرئ القيس و قبائل أسد بعد موت حجر:
نسخت من كتاب جدّي يحيى بن محمد بن ثوابة بخطّه رحمه اللّه حدّثني الحسن بن سعيد عن أبي عبيدة قال أخبرني سيبويه النحويّ أنّ الخليل بن أحمد أخبره قال:
قدم على امرئ القيس بن حجر بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد كهول و شبّان، فيهم المهاجرين خداش ابن عمّ عبيد بن الأبرص، و قبيصة بن نعيم، و كان في بني أسد مقيما و كان ذا بصيرة بمواقع الأمور وردا و إصدارا [١] يعرف ذلك له من كان محيطا بأكناف بلده من العرب. فلما علم بمكانهم أمر بإنزالهم و تقدّم بإكرامهم و الإفضال عليهم، و احتجب عنهم ثلاثا. فسألوا من حضرهم من رجال كندة،/ فقال: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من السّلاح و العدّة. فقالوا: اللّهم غفرا، إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف و نستدرك به ما فرط، فليبلّغ ذلك عنّا. فخرج عليهم في قباء و خفّ و عمامة سوداء؛ و كانت العرب لا تعتمّ بالسّواد إلّا في التّرات.
فلمّا نظروا إليه قاموا له، و بدر إليه قبيصة: إنك في المحلّ و القدر و المعرفة بتصرّف الدهر و ما تحدثه أيّامه و تتنقّل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ و لا تذكرة مجرّب. و لك من سؤدد منصبك و شرف أعراقك و كرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، و رجوع عن هفوة. و لا تتجاوز الهمم إلى غاية إلّا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي و بصيرة الفهم و كرم الصفح في الذي كان من الخطب الجليل الذي عمّت رزيته نزارا و اليمن، و لم تخصص كندة بذلك دوننا للشّرف البارع. كان لحجر التاج و العمّة فوق الجبين الكريم و إخاء الحمد و طيب الشّيم. و لو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك و لفديناه منه، و لكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه و لا يلحق أقصاه أدناه. فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال: إمّا أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا، و أعلاها في بناء المكرمات صوتا، فقدناه إليك بنسعه [٢] تذهب مع شفرات حسامك/ قصدته [٣] فيقول رجل: امتحن بهلك عزيز فلم تستلّ سخيمته إلّا بتمكينه من الانتقام، أو فداء بما يروح من بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يردده تسليط الإحن على البرآء؛ و إما أن/ توادعنا حتى تضع الحوامل فنسدل الأزر و نعقد الخمر فوق الرايات.
قال: فبكى ساعة ثم رفع رأسه فقال: لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم، و إني لن أعتاض به جملا أو ناقة فأكتسب بذلك سبّة الأبد و فتّ العضد. و أمّا النّظرة [٤] فقد أوجبتها الأجنّة في بطون أمّهاتها، و لن أكون لعطبها سببا، و ستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك، تحمل القلوب حنقا و فوق الأسنّة علقا [٥]
[١] كان ينبغي أن يكون «... بمواقع الأمور إيرادا و إصدارا» أو «... وردا و صدرا».
[٢] النسع: سير مضفور يجعل زماما للبعير و غيره. و في الحديث: «يجر نسعة في عنقه».
[٣] كذا في ج: و القصدة: العنق. و في سائر الأصول: «قصيدته» و هو تصغير «قصدة» و قد ورد في الأصول: هكذا: «تذهب مع شفرات حسامك ثنائي قصيدته». و لم نفهم لكلمة «ثنائي» هاهنا معنى.
[٤] النظرة: الإمهال.
[٥] العلق: الدم.