الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧١ - عبد الملك بن عمير يحدث عمر بن هبيرة بحديث عنه فيسر به و يجيزه
يخطب النساء، فإذا سألهنّ عن هذا قلن أربعة عشر. فبينما هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر ليلة تمامه، فأعجبته، فقال لها: يا جارية! ما ثمانية و أربعة و اثنتان؟. فقالت: أمّا ثمانية فأطباء الكلبة. و أمّا أربعة فأخلاف الناقة. و أمّا اثنتان فثديا المرأة. فخطبها إلى أبيها فزوّجه إيّاها. و شرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، و أن يسوق إليها مائة من الإبل و عشرة أعبد و عشر و صائف و ثلاثة أفراس ففعل ذلك. ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة و أهدى إليها نحيا [١] من سمن و نحيا من عسل و حلّة من عصب. فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلّة و لبسها فتعلّقت بعشرة فانشقّت، و فتح النّحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا. ثم قدم على حيّ المرأة و هم خلوف [٢]. فسألها عن أبيها و أمّها و أخيها و دفع إليها هديّتها. فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرّب بعيدا و يبعّد قريبا، و أن أمّي ذهبت تشقّ النّفس/ نفسين، و أنّ أخي يراعي الشمس، و أن سماءكم انشقّت، و أنّ وعاءيكم نضبا. فقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أمّا قولها إنّ أبي ذهب يقرّب بعيدا و يبعّد قريبا، فإنّ أباها ذهب يحالف قوما على قومه. و أمّا قولها ذهبت أمّي تشقّ النفس نفسين، فإنّ أمّها ذهبت تقبل [٣] امرأة نفساء. و أمّا قولها: إنّ أخي يراعي الشمس، فإنّ أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. و أمّا قولها: إن سماءكم انشقّت، فإن البرد الذي بعثت به انشقّ. و أمّا قولها إن وعاءيكم نضبا، فإنّ النّحيين اللّذين بعثت بهما نقصا، فاصدقني. فقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني عن نسبي فأخبرتهم أنّي ابن عمّك، و نشرت الحلّة فانشقّت، و فتحت النّحيين فأطعمت منهما أهل الماء. فقال: أولى لك!.
ثم ساق مائة من الإبل و خرج نحوها و معه الغلام، فنزلا منزلا. فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز؛ فأعانه امرؤ القيس؛ فرمى به الغلام في البئر، و خرج حتى أتى المرأة بالإبل، و أخبرهم أنه زوجها. فقيل لها: قد جاء زوجك.
فقالت: و اللّه ما أدري أ زوجي هو أم لا! و لكن انحروا له جزورا و أطعموه من كرشها و ذنبها ففعلوا. فقالت: اسقوه لبنا حازرا (و هو الحامض) فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له عن، الفرث [٤] و الدم، ففرشوا له فنام. فلما أصبحت أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك. فقال: سلي عمّا شئت. فقالت: ممّ تختلج شفتاك؟ قال: لتقبيلي إيّاك. قالت:
فممّ يختلج كشحاك؟ قال: لالتزامي إيّاك. قالت: فممّ يختلج فخذاك؟ قال: لتورّكي إيّاك. قالت: عليكم العبد فشدّوا أيديكم/ به، ففعلوا. قال: و مرّ قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيّه، فاستاق مائة من الإبل و أقبل إلى امرأته. فقيل لها: قد جاء/ زوجك. فقالت: و اللّه ما أدري أ هو زوجي أم لا، و لكن انحروا له جزورا فأطعموه من كرشها و ذنبها ففعلوا. فلما أتوه بذلك قال: و أين الكبد و السّنام و الملحاء [٥]! فأبى أن يأكل.
فقالت: اسقوه لبنا حازرا. فأبى أن يشربه و قال: فأين الصّريف [٦] و الرّثيئة!. فقالت: افرشوا له عند الفرث و الدم.
فأبى أن ينام و قال: افرشوا لي فوق التّلعة الحمراء، و اضربوا عليها خباء. ثم أرسلت إليه: هلمّ شريطتي عليك في المسائل الثلاث. فأرسل إليها أن سلي عمّا شئت. فقالت: ممّ تختلج شفتاك قال: لشربي المشعشعات. قالت: فممّ
[١] النحي: الزق.
[٢] خلوف: غيب.
[٣] يقال: قبلت القابلة المرأة إذا تلقت ولدها عند ولادته.
[٤] الفرث: السرجين ما دام في الكرش.
[٥] الملحاء: لحم في الصلب من الكاهل إلى العجز من البعير.
[٦] الصريف: الحليب الحار ساعة يصرف عن الضرع. و الرئينة: اللبن الحليب يصب عليه اللبن الحامض فيروب من ساعته.