الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٦ - خروجه إلى النبي صلى الله عليه و سلم و إسلامه
نبيّ أتانا بعد عيسى بناطق
من الحقّ فيه الفصل منه كذلكا
أمينا على الفرقان أوّل شافع
و آخر مبعوث يجيب الملائكا
تلافى عرا الإسلام بعد انفصامها
فأحكمها حتّى أقام المناسكا
رأيتك يا خير البريّة كلّها
توسّطت في القربى من المجد مالكا [١]
سبقتهم بالمجد و الجود و العلا
و بالغاية القصوى تفوت السّنابكا [٢]
فأنت المصفّى من قريش إذا سمت
غلاصمها تبغي القروم الفواركا [٣]
قال: فقدم عباس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المدينة حيث أراد المسير إلى مكّة عام الفتح، فواعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قديدا [٤]، و قال: القنى/ أنت و قومك بقديد، فلما نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قديدا و هو ذاهب، لقيه عبّاس في ألف من بني سليم، ففي ذلك يقول عبّاس بن مرداس:
بلّغ عباد اللّه أنّ محمّدا
رسول الإله راشد أين يمّما [٥]
دعا قومه و استنصر اللّه ربّه
فأصبح قد وافى الإله و أنعما [٦]
عشيّة واعدنا قديدا محمّدا
يؤم بنا أمرا من اللّه محكما
حلفت يمينا برّة لمحمّد
فأوفيته ألفا من الخيل معلما
سرايا يراها اللّه و هو أميرها
يؤم بها في الدّين من كان أظلما [٧]
على الخيل مشدودا علينا دروعنا
و خيلا كدفّاع الأتيّ عرمرما [٨]
أطعناك حتّى أسلم الناس كلهم
و حتّى صبحنا الخيل أهل يلملما [٩]
و هي قصيدة طويلة.
[١] يعني مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
[٢] السنابك: جمع سنبك كقنفذ، و هو طرف الحافر. و المعنى: لا تبلغنها سنابك الخيول المتسابقة إليها.
[٣] غلاصم: جمع غلصمة، و هي أصل اللسان أو الجماعة أو السادة. و القروم: جمع قرم بالفتح، و هو السيد، و أصله الفحل الّذي يترك من الركوب و العمل و يودع للفحلة و الضراب. و الفوارك: جمع فارك، من فرك الرجل امرأته فركا: أبغضها، يعني أنهم ليسوا ممن تلهيهم النساء عن عظائم الأمور، و من ذلك قول الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم
دون النساء و لو باتت بأطهار
و قد تمثل به عبد الملك بن مروان حين تهيأ لقتال ابن الأشعث. و في وصف القروم بالفوارك ملاءمة ظاهرة.
[٤] قديد: موضع قرب مكة.
[٥] في هذا البيت خرم. و يمم: طلب. و في «الروض الأنف» ج ٢ ص ٢٦٨ «من مبلغ الأقوام».
[٦] وافى اللّه حقّه و وفاه: أداه، و يقال: فعل كذا و أنعم: أي زاد.
[٧] يراها اللّه، أي بعين رعايته. و أظلم هنا بمعنى ظالم.
[٨] في الأصول «عليها» و هو تحريف، و الخيل: الفرسان. و في «السيرة» «و رجلا» و هم الرجالة أي المشاة. و سيل أتيّ: و في ب، س:
«اللواتي»؛ و هو تحريف. و التصويب عن ها، و «السيرة النبوية». و الدفاع: كثرة الماء و شدته و تدافع جريه. و جيش عرمرم: كثير شديد.
[٩] كذا في الأصول. و في «الروض الأنف» «صبحنا الجمع». يلملم: ميقات اليمن، جبل على مرحلتين من مكة. و في ب، س «يلمما»؛ و هو تحريف.