الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨٠ - غناء لابن جامع بحضرة الرشيد
قديما، و قد أخذه عني مخارق و عقيد، فقال: غنّياه. فغنّياه، فوثب ابن جامع فجلس بين يديه ثم حلف بالطلاق ثلاثا بأنه صنعه في ليلته الماضية، ما سبق إليه ابن جامع أحد، فنظر الرشيد إليّ، فغمزته بعيني أنه صدق، و جدّ الرشيد في العبث به بقيّة يومه، ثم سألني بعد ذلك عن الخبر، فصدّقته عنه و عن الزّفّ، فجعل يضحك و يقول: لكل شيء آفة، و آفة ابن جامع الزّفّ، قال حماد: و للزّف صنعة يسيرة جيّدة منها في الرمل الثاني:
صوت
لمن الظعائن سيرهنّ تزحّف
عوم السّفين إذا تقاذف مجذف [١]
مرّت بذي حسم كأنّ حمولها
نخل بيثرب طلعها متزحّف [٢]
فلئن أصابتني الحروب لربّما
أدعى إذا منع الرّداف فأردف [٣]
فأثير غارات و أشهد مشهدا
قلب الجبان به يطيش فيرجف
قال: و من مشهور صنعته في هذه الطريقة:
صوت
إذا شئت غنّتني بأجراع بيشة
أو النخل من تثليث أو من يلملما [٤]
مطوّقة طوقا و ليس بحلية
و لا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما
تبكّي على فرخ لها ثم تغتدي
مدلّهة تبغي له الدهر مطعما [٥]
تؤمل منه مؤنسا لانفرادها
و تبكي عليه إن زقا أو ترنما [٦]
و من صنعته في هذه الطريقة:
صوت
يا زائرينا من الخيام
حيّاكما اللّه بالسلام
يحزنني أن أطعتماني
و لم تنالا سوى الكلام
[١] تزحف: من تزحف الصبي على الأرض أو على بطنه، قبل أن يمشي. و السفين: جمع سفينة، و مجداف السفينة و مجذافها بالدال و بالذال: لغتان فصيحتان. و في ج «يحذف».
[٢] ذو حسم: موضع بالبادية، و جاء في شعر المهلهل:
أ ليلتنا بذي حسم أنيري
إذا أنت انقضيت فلا تحوري
و الحمول: الهوادج، أو الإبل عليها الهوادج، واحدها حمل بالكسر و يفتح، يثرب: المدينة المنورة.
[٣] أردفه معه: أركبه؛ و ردفه بالكسر و أردفه: ركب خلفه.
[٤] بيشة: من عمل مكة مما يلي اليمن، و هي من مكة على خمس مراحل، بها من النخل شيء كثير. و في ج، و ب «شيبة».
و الأجراع: جمع جرع بالتحريك، و هو الرملة الطيبة المنبتة السهلة المستوية. تثليث: موضع بالحجاز قرب مكة. يلملم: موضع على ليلتين من مكة، و هو ميقات أهل اليمن.
[٥] المدله: الساهي القلب، الذاهب العقل.
[٦] زقا الطائر يزقو: صاح.