الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٧ - شعره في معشوقته نعم
بكى من فراق الحيّ قيس بن منقذ
و إذراء عيني مثله الدمع شائع [١]
بأربعة تنهلّ لمّا تقدّمت
بهم طرق شتّى و هنّ جوامع [٢]
و ما خلت بين الحيّ حتى رأيتهم
ببينونة السفلى و هبّت سوافع [٣]
/ كأن فؤادي بين شقّين من عصا
حذار وقوع البين و البين واقع
يحثّ بهم جاد سريع نجاؤه
و معرى عن الساقين و الثوب واسع [٤]
فقلت لها يا نعم حلّي محلّنا
فإن الهوى يا نعم و العيش جامع [٥]
فقالت و عيناها تفيضان عبرة
بأهلي بيّن لي متى أنت راجع؟
فقلت لها تاللّه يدري مسافر
إذا أضمرته الأرض ما اللّه صانع
فشدّت على فيها اللثام و أعرضت
و أمعن بالكحل السّحيق المدامع [٦]
و إني لعهد الودّ راع، و إنّني
بوصلك ما لم يطوني الموت طامع
قال أبو عمرو: فأنشدت عائشة بنت طلحة بن عبيد اللّه هذه القصيدة، فاستحسنتها و بحضرتها جماعة من الشعراء. فقالت: من قدر منكم أن يزيد فيها بيتا واحدا يشبهها و يدخل في معناها فله حلّتي هذه، فلم يقدر أحد منهم على ذلك.
شعره في معشوقته نعم
قال أبو عمرو: و قال قيس أيضا يذكر بين الحيّ و تفرقهم و ينسب بنعم:
سقى اللّه أطلالا بنعم ترادفت
بهن النّوى حتى حللن المطاليا [٧]
فإن كانت الأيام يا أمّ مالك
تسلّيكم عنّي و ترضي الأعاديا
فلا يأمنن بعدي امرؤ فجع لذّة
من العيش أو فجع الخطوب العوافيا [٨]
- أنشده الفارسي في البصريات:
«فأيهما ما أتبعنّ فإنني
حزين على ترك الّذي أنا وادع»
و هكذا روى الشطر الأوّل في نسخة ج، و في ب، س «فأيهما منها اتبعت».
[١] هذا البيت من قول حبيبته بدليل «و إذراء عيني مثله» و الظاهر أنه قد سقط قبله من الرواية بيت أو أكثر، أذرت العين الدمع إذراء: صبته.
[٢] بأربعة، أي بأربع أعين و هي عيناه و عيناها. و انهلت العين: سالت بالدمع.
[٣] البين: الفراق. و بينونة: موضع بين عمان و البحرين، و هما بينونتان: بينونة الدنيا و بينونة القصوى، و كلتاهما في شق بني سعد بين عمان و يبرين، و في الأصول «وهن» و مكان «وهبت»؛ و هو تحريف. السوافع: لوافح السموم، سفعته الشمس و السموم: لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون بشرته و سوّدته.
[٤] النجاء: السرعة في السير.
[٥] في ج «خلي» و هو تصحيف.
[٦] أمعن الماء: سال و جرى.
[٧] المطالي: الأرض السهلة اللينة تنبت العضاه، واحدتها مطلاء على وزن مفعال. و هي مؤنثة لا غير. أطلالا جمع طلل، و طلل كل شيء شخصه. ترادفت: تتابعت عليها الرحلة.
[٨] العوافي: جمع عافية و هي الطامسة.