الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٦ - هجرة خزاعة لجدب أصابهم و شعر له في ذلك
سعى بينهم واش بأفلاق برمة
لتفجع بالأظعان من هو جازع [١]
بكت من حديث بثّه و أشاعه
و رصّفه واش من القوم راصع [٢]
/ بكت عين من أبكاك لا يعرف البكا
و لا تتخالجك الأمور النوازع [٣]
فلا يسمعن سرّي و سرّك ثالث
ألا كلّ سرّ جاوز اثنين شائع
و كيف يشيع السرّ منّي و دونه
حجاب و من دون الحجاب الأضالع!
و حبّ لهذا الرّبع يمضي أمامه
قليل القلى منه جليل و رادع [٤]
لهوت به حتى إذا خفت أهله
و بيّن منه للحبيب المخادع
نزعت فما سرّي لأوّل سائل
و ذو السر ما لم يحفظ السرّ ماذع [٥]
و قد يحمد اللّه العزاء من الفتى
و قد يجمع الأمر الشتيت الجوامع
ألا قد يسلّى ذو الهوى عن حبيبه
فيسلى، و قد تردي المطيّ المطامع
/ و ما راعني إلّا المنادى ألا اظعنوا
و إلا الرواغي غدوة و القعاقع [٦]
فجئت كأني مستضيف وسائل
لأخبرها كلّ الّذي أنا صانع
فقالت: تزحزح ما بنا كبر حاجة
إليك و لا منّا لفقرك راقع
فما زلت تحت السّتر حتى كأنني
من الحرّ ذو طمرين في البحر كارع [٧]
فهزّت إليّ الرأس مني تعجّبا
و عضّض مما قد فعلت الأصابع
فأيّهما ما أتبعنّ فإنني
حزين على إثر الّذي أنا وادع [٨]
[١] برمة: عرض من أعراض المدينة قرب «بلاكث» بين خيبر و وادي القرى، و هي عيون و نخل لقريش. و أفلاق جمع فلق كسبب، و هو المطمئن من الأرض بين ربوتين، و قد ورد جمعه في كتب اللغة على فلقان بالضم، و في الأصول «لتفجع» و هو تصحيف.
[٢] بث الخبر: نشره، و رصف الشيء كقتل: ضم بعضه إلى بعضه و نظمه (و قد ضعف الفعل هنا) و رصعه بالرمح: طعنه طعنا شديدا غيب السنان كله فيه، و رصع الشيء: عقده عقدا مثلثا متداخلا كمعقد التميمة و نحوها.
[٣] تقدم هذا البيت في أبيات الصوت، و صدره «بكت عين من أبكاك ليس لك البكا» و روى هنا في الأصول «بكت عين من أبكاك، لا يعرف البكا» و لعل صوابه «لا يعدم البكا» أي لازمه و صاحبه، و هي جملة دعائية ثانية، دعا على الواشي في الجملة الأولى بأن تبكي عينه، و في الثانية بأن يلازمه البكاء.
[٤] الربع: المنزل. في الأصول «قليل» مكان «جليل»، و لعل الصواب ما أثبتنا.
[٥] في ج «وادع» و في ب و س «وازع» و أرى صوابه «ماذع» جاء في كتب اللغة: المذاع كشداد: من لا وفاء له و لا يحفظ أحدا بالغيب و من لا يكتم السر.
[٦] رغت الناقة رغاء: صوتت فهي راغية و الجمع الرواغي، و في الأصول «الرواعي» و هو تصحيف، و القعاقع: تتابع أصوات الرعد في شدة، جمع قعقعة، و المراد هنا أصوات تقويض الأخبية و ما إلى ذلك تأهبا للرحيل. و قد قالوا: قعقعت عمدهم و تقعقعت، أي ارتحلوا، أو هو «القعاقع» بالضم، رجل قعاقع: كثير الصوت.
[٧] الطمر: الثوب الخلق. كرع في الماء كمنع و سمع: تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه و لا بإناء، و كل خائض ماء كارع، شرب أو لم يشرب.
[٨] يستشهد بهذا البيت على استعمال وادع بمعنى تارك، اسم فاعل من ودع بمعنى ترك، ورد في «لسان العرب» «و لا يقولون ودعتك و لا وذرتك استغنوا عنهما بتركتك و المصدر فيهما تركا، و لا يقال ودعا و لا وذرا و حكاهما بعضهم، و لا وادع، و قد جاء في بيت-