الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٩ - ترضاه صديق له فقال شعرا
حازم، فدخل عليه يوما و عليه ثياب بذّة [١]، و هيئة رثّة، و لم يعرّفه نفسه، و صادفهم يتكلمون في شيء من معاني الشعر، و أبو ذؤيب يتكلّم متحققا بالعلم بذلك. فسأله محمّد بن حازم- و قد دخل عليه يوما- عن بيت من شعر الطّرمّاح جهله، فردّ عليه جوابا محالا [٢] كالمستصغر له و ازدراه، فوثب عن مجلسه مغضبا. فلمّا خرج قيل له:
ما ذا صنعت بنفسك و فتحت عليها من الشرّ؟ أ تدري لمن تعرّضت؟ قال: و من ذاك؟ قيل: محمّد بن حازم الباهليّ، أخبث الناس لسانا و أهجاهم. فوثب إليه حافيا حتى لحقه، فحلف له أنه لم يعرفه، و استقاله فأقاله، و حلف أنه لا يقبل له رفدا و لا يذكره بسوء مع ذلك أبدا، و كتب إليه بعد أن افترقا:
أخطأ و ردّ عليّ غير جوابي
وزرى عليّ و قال غير صواب
و سكنت من عجب لذاك فزادني
فيما كرهت بظنّه المرتاب
و قضى عليّ بظاهر من كسرة
لم يدر ما اشتملت عليه ثيابي
/ من عفّة و تكرّم و تحمّل
و تجلد لمصيبة و عقاب
و إذا الزمان جنى عليّ وجدتني
عودا لبعض صفائح الأقتاب [٣]
و لئن سألت ليخبرنّك عالم
أنّي بحيث أحبّ من آداب
و إذا نبا بي منزل خلّيته
قفرا مجال ثعالب و ذئاب [٤]
و أكون مشترك الغنى متبدّلا [٥]
فإذا افترقت قعدت عن أصحابي
لكنّه رجعت عليه ندامة
لمّا نسبت و خاف مضّ عتابي [٦]
فأقلته لمّا أقرّ بذنبه
ليس الكريم على الكريم بناب
ترضاه صديق له فقال شعرا
أخبرني حبيب بن نصر قال: حدّثنا النوفليّ قال:
كان سعد بن مسعود القطربليّ [٧]: أبو إسحاق بن سعد صديقا لمحمد بن حازم الباهليّ، فسأله حاجة فردّه عنها، فغضب محمّد و انقطع عنه، فبعث إليه بألف درهم و ترضّاه، فردّها و كتب إليه:
/
متّسع الصدر مطيق لما
يحار فيه الحوّل القلّب [٨]
راجع بالعتبى فأعتبته
و ربّما أعتبك المذنب
[١] أي رث اللبسة.
[٢] المحال من الكلام: ما عدل به عن وجهه؛ يقال: أحال الكلام إحالة إذا أفسده.
[٣] الأقتاب: جمع قتب كجبل، و هو الإكاف الصغير على قدر سنام البعير. و صفائح الأقتاب: ألواحها.
[٤] نبا به منزله: لم يوافقه.
[٥] في الأصول «متبدلا». و قد سبقه إلى هذا المعنى جرير فقال:
و إني لعف الفقر مشترك الغنى
سريع إذا لم أرض داري احتماليا
[٦] مض عتابي: أي حرقته و إيلامه.
[٧] قطربل: قرية شماليّ بغداد تنسب إليها الخمر، و في ج «القطربي».
[٨] في ب، س «منطيق». و في ج «مطبق» و هو تحريف.