الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٩ - سبب تحريمه الخمر على نفسه
فقال له الوليد: كذبت يا أحول يا مشئوم، لسنا كذلك، و لكنّا كما قال الآخر:
إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه
تخمّط فينا ناب آخر مقرم [١]
هو و عبدة بن الطبيب
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصبّاح عن ابن الكلبيّ عن أبيه قال:
كان بين قيس بن عاصم و عبدة بن الطّبيب لحاء، فهجره قيس بن عاصم، ثم حمل عبدة دما في قومه، فخرج يسأل فيما تحمّله، فجمع إبلا، و مرّ به قيس بن عاصم و هو يسأل في تمام الدّية، فقال: فيم يسأل عبدة؟ فأخبر؛ فساق إليه الدية كاملة/ من ماله، و قال: قولوا له ليستمتع [٢] بما صار إليه، و ليسق هذه/ إلى القوم. فقال عبدة:
أما و اللّه لو لا أن يكون صلحي إيّاه بعقب هذا الفعل عارا عليّ لصالحته، و لكني أنصرف إلى قومي ثم أعود فأصالحه. و مضى بالإبل ثم عاد، فوجد قيسا قد مات، فوقف على قبره و أنشأ يقول:
عليك سلام اللّه قيس بن عاصم
و رحمته ما شاء أن يترحّما
الأبيات.
سبب تحريمه الخمر على نفسه
أخبرني محمّد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال ذكر عاصم بن الحدثان و هشام بن الكلبيّ عن أشياخهما:
أنّ قيس بن عاصم المنقريّ سكر من الخمر ليلة قبل أن يسلم، فغمز عكنة [٣] ابنته- أو قال أخته- فهربت منه. فلمّا صحا منها، فقيل له: أ و ما علمت ما صنعت البارحة؟ قال: لا. فأخبروه بصنعه، فحرّم الخمر على نفسه، و قال في ذلك:
وجدت الخمر جامحة و فيها
خصال تفضح الرّجل الكريما
فلا و الله أشربها حياتي
و لا أدعو لها أبدا نديما
و لا أعطي بها ثمنا حياتي
و لا أشفى بها أبدا سقيما
فإنّ الخمر تفضح شاربيها
و تجشمهم بها أمرا عظيما [٤]
إذا دارت حميّاها تعلّت
طوالع تسفه الرّجل الحليما [٥]
[١] البيت لأوس بن حجر ( «اللسان» مادة خمط، و قرم). و مقرم: سيد، و هو في الأصل: البعير المكرم الّذي لا يحمل عليه و لا يذلل و لكن يكون للفحلة و الضراب؛ سمي به السيد الرئيس من الرجال تشبيها بالمقرم من الإبل لعظم شأنه و كرمه عندهم. و ذرا نابه ذروا: انكسر حدّه أو سقط و وقع. و التخمط: الأخذ و القهر بغلبة. أراد: إذا هلك منا سيد خلفه آخر. و في ب، س «تحمط» و هو تصحيف.
[٢] في الأصول «ليستنفع» و هو تحريف.
[٣] العكنة: ما انطوى و تثنى من لحم البطن سمنا.
[٤] جشم (كسمع) الأمر و تشجمه: تكلفه على مشقة، و أجشمه إياه.
[٥] حمياها: سورتها و شدتها و إسكارها. تعلى: علا في مهلة.