الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٦ - فعلة شاة منيع معه و هجاؤه إياها
فلو لا ذمام كان بيني و بينه
للطّم بشّار قفاه و ياسر [١]
فقال محمّد: حسبك، لم نرد هذا كله، ثم حلّه و جلس يأكل معنا، و تممنا يومنا.
فعلة شاة منيع معه و هجاؤه إياها
أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن محمّد بن سليمان النّوفليّ قال:
كان محمّد بن يسير من شعراء أهل البصرة و أدبائهم، و هو من خثعم و كان من بخلاء الناس، و كان له في داره بستان قدره أربعة طوابيق [٢] قلعها من داره، فغرس فيه أصل رمّان و فسيلة [٣] لطيفة، و زرع حواليه بقلا، فأفلتت شاة لجار له يقال له: منيع، فأكلت البقل و مضغت الخوص، و دخلت إلى بيته فلم تجد فيه إلا القراطيس [٤] فيها شعره و أشياء من سماعاته، فأكلتها و خرجت، فعدا إلى الجيران في المسجد يشكو ما جرى عليه، و عاد فزرع البستان، و قال يهجو شاة منيع:
لي بستان أنيق زاهر
ناضر الخضرة ريّان ترف [٥]
/ راسخ الأعراق ريّان الثّرى
غدق تربته ليست تجفّ [٦]
لمجاري الماء فيه سنن
كيفما صرّفته فيه انصرف [٧]
مشرق الأنوار ميّاد النّدى
منثن في كلّ ريح منعطف [٨]
/ تملك الريح عليه أمره
فإذا لم يؤنس الريح وقف [٩]
يكتسي في الشرق ثوبي يمنة
و مع الليل عليها يلتحف [١٠]
ينطوي الليل عليه فإذا
واجه الشرق تجلّى و انكشف
صابر ليس يبالي كثرة
جزّ بالمنجل أو منه نتف
كلما ألحف منه جانب
لم يتلبّث منه تعجيل الخلف [١١]
[١] الذمام: الحق و الحرمة. و المفهوم أنه يعني ببشار و ياسر خادمين من خدم الوالي أو رجلين من أتباعه. و في الأصول: «تلطم»؛ و هو تحريف.
[٢] الطابق كهاجر و صاحب و الطاباق: الآجر الكبير. و يظهر من قوله «قلعها من داره» أن البستان كان يدور حول المنزل، و أن ذلك القدر المذكور قدر عرضه.
[٣] الفسيلة: النخلة الصغيرة.
[٤] القراطيس: جمع قرطاس (و كسر القاف أشهر من ضمها)، و هو ما يكتب فيه.
[٥] أنيق: حسن معجب. و ناضر: شديد الخضرة. و يبالغ به في كل لون فيقال: أخضر ناضر، و أحمر ناضر، و أصفر ناضر. ترف: ترف النبات كفرح: تروّى، فهو ترف.
[٦] أرض غدقة: في غاية الريّ، و هي الندبة المبتلة.
[٧] سنن: جمع سنة و هي الطريقة.
[٨] الأنوار: جمع نور (بالفتح): و هو الزهر. و يقال للنبت ندى، لأنه عن ندى المطر نبت.
[٩] آنس الشيء: أحس به.
[١٠] اليمنة: برد يمني، و هو موشى.
[١١] في الأصول «ألحق» بدل «ألحف»؛ و هو تحريف. و ألحفه: استأصله. و لم يتلبث: أي لم يتوقف و لم يبطئ.