الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٥ - قصته مع والي البصرة
صوت
يوم سبت و شنبذ و رذاذ
فعلام الجلوس يا بن يسير؟ [١]
قم بنا نأخذ المدامة من كفّ غزال مضمّخ بالعبير [٢]- في هذين البيتين لعباس أخي بحر ثقيل أوّل بالبنصر- و بعث إليه بالرّقعة، فإذا الغلمان قد جاءوا بالجواب. فقال لهم: بعثتكم لتجيئوني برجل فجئتموني برقعة! فقالوا: لم نلقه، و إنما كتب جوابها في منزله، و لم تأمرنا بالهجوم عليه فنهجم. فقرأها فإذا فيها:
/
أجيء على شرط فإن كنت فاعلا
و إلّا فإنّي راجع لا أناظر
ليسرج لي البرذون في حال دلجتي
و أنت بدلجاتي مع الصبح خابر [٣]
لأقضي حاجاتي إليه و أنثني
إليك، و حجّام إذا جئت حاضر
فيأخذ من شعري و يصلح لحيتي
و من بعد حمّام و طيب و جامر [٤]
و دستيجة من طيّب الراح ضخمة
يروّدنيها طائعا لا يعاسر [٥]
فقال محمّد بن أيوب: ما نقول؟ فقلت: إنك لا تقوى على مطاولته، و لكن اضمن له ما طلب، فكتب إليه: قد أغدّ لك- و حياتك- كلّ ما طلبت فلا تبطئ؛ فإذا به قد طلع علينا، فأمر محمّد بن أيوب بإحضار المائدة. فلما أحضرت أمر بمحمد بن يسير فشدّ بحبل إلى أسطوانة من أساطين المجلس، و جلسنا نأكل بحذائه. فقال لنا: أيّ شيء يخلّصني؟ قلنا: تجيب نفسك عما كتبت به أقبح جواب. فقال: كفّوا عن الأكل إذا و لا تستبقوني به فتشغلوا خاطري، ففعلنا ذلك و توقّفنا، فأنشأ يقول:
أيا عجبا من ذا التّسرّي فإنّه
له نخوة في نفسه و تكابر [٦]
/ يشارط لمّا زار حتّى كأنه
مغنّ مجيد أو غلام مؤاجر [٧]
[١] شنبذ: كلمة فارسية. جاء في «معجم جونسون»- و هو معجم فارسي عربي إنجليزي- «شنبذ- يوم السبت. جنبد- يتحرك، يحرك.
جنبد- يثب، يقفز، يجري». و جاء في «معجم ستنجاس»: جنبد- القفز، اللعب، تقريب عقب الرجل من الرأس» و يفهم من ذلك أن هذا اليوم يوم مرح و لعب و نشاط و نحو ذلك. و الرذاذ: المطر الضعيف.
[٢] المدامة و المدام: الخمر. و مضمخ: مدهن. و العبير: اخلاط من الطيب.
[٣] البرذون من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب. و الدلجة: سير السحر.
[٤] جاء في «لسان العرب»: «أجمر الثوب و جمره: بخره بالطيب، و الّذي يتولى ذلك مجر و مجمّر، و الجامر: الّذي يلي ذلك من غير فعل، إنما هو علي النسب.
[٥] في الأصول «طابعا» و هو تصحيف. و الدستيج: آنية تحوّل باليد و تنقل، فارسي معرب. و الراح: الخمر. يروّدنيها: رادت الإبل ترود: اختلفت في المرعى مقبلة و مدبرة، وردتها أنا و أردتها؛ أي جعلتها ترعى، فمعنى يروّدنيها هنا على التشبيه بذلك أي يجعلني أستقي منها غاديا رائحا أي مرارا. و لا يعاسر: لا يشاكس.
[٦] السرو: المروءة في شرف، سرو، ككرم و دعا و رضى فهو سريّ، و تسري تسريا: تكلف السرو. و تكابر و تكبر و استكبر بمعنى.
[٧] في الأصول «يشابط» و هو تحريف. و مؤاجر: جاء في «المصباح المنير»: «قال الأخفش: و من العرب من يقول آجرته فأنا مؤجر (بسكون الهمز)- في تقدير أفعلت فأنا مفعل- و بعضهم يقول فأنا مؤاجر- في تقدير فاعلته اه.