المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٥
الأذى أن يظهرها، و قيل: المنّ أن يستخدمه بالعطاء و الأذى أن يعيّره بالفقر، و قيل: المنّ أن يتكبّر عليه لأجل عطائه و الأذى أن ينتهره أو يوبّخه بالمسألة، و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«لا يقبل اللّه صدقة منّان» [١] و عندي أنّ المنّ له أصل و مغرس هو من أحوال القلب و صفاته، ثمّ يتفرّع عليه أفعال ظاهرة على اللّسان و الجوارح و أصله أن يرى نفسه محسنا إليه و منعما عليه و حقّه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حقّ اللّه تعالى منه الّذي هو طهرته و نجاته من النار و أنّه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به، فحقّه أن يتقلّد منّة من الفقير إذ جعل كفّه نائبا عن اللّه في قبض حقّه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الصدقة تقع بيد اللّه قبل أن تقع في يد السائل» [٢] فليتحقّق أنّه مسلّم إلى اللّه، و الفقير آخذ من اللّه رزقه بعد صيرورته مسلّما إلى اللّه عزّ و جلّ، و لو كان عليه دين لانسان فأحال به صاحب الدين عبده أو خادمه الّذي هو متكفّل برزقه لكان اعتقاد مؤدّي الدين كون القابض تحت منّته سفها و جهلا فإنّ المحسن إليه هو المتكفّل برزقه، أمّا هو فإنّما يقضي الدين الّذي لزمه بشراء ما أحبّه، فهو ساع في حقّ نفسه فلم يمنّ به على غيره؟ و مهما عرف المعاني الثلاثة الّتي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلّا إلى نفسه إمّا ببذل ماله إظهارا لحبّ اللّه تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد، و كيفما كان فلا معاملة بينه و بين الفقير حتّى يرى نفسه محسنا إليه و مهما حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنا إليه تفرّع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المنّ و هو التحدّث به و إظهاره و طلب المكافاة منه بالشكر و الدعاء و الخدمة و التوقير و التعظيم و القيام بالحقوق و التقديم في المجالس و المتابعة في الأمور فهذه كلّها ثمرات المنّة و معنى المنّة في الباطن ما ذكرناه.
و أمّا الأذى فظاهره التوبيخ و التعيير و تخشين الكلام و تقطيب الوجه و هتك الستر بالإظهار و فنون الاستخفاف، و باطنه- و هو منبعه- أمران أحدهما كراهيته لرفع
[١] مر الكلام فيه.
[٢] رواه العياشي في تفسيره كما في الوسائل ج ٦ ص ٣٠٣ الطبعة الحروفية الحديثة.
و مثله في عدة الداعي ص ٤٤، و رواه البيهقي في شعب الايمان بسند ضعيف كما في المغني.