المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٠
و عبادة لأنّ فيه المناجاة مع الرّبّ بلا واسطة، فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك و منشور ولايتك و كيف تجيب أوامره و نواهيه و كيف تمتثل حدوده فإنّه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فرتّله ترتيلا وقف عند وعده و وعيده و تفكّر في أمثاله و مواعظه و احذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده» [١].
(الباب الرابع) (في فهم القرآن و تفسيره بالرأي من غير نقل)
لعلّك تقول عظّمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرآن بما ينكشف لأرباب القلوب الزكيّة من معانيها فكيف يستحب ذلك و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» [٢] و على هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصرّف من المنسوبين إلى التصوّف في تأويل كلمات القرآن على خلاف ما نقل عن ابن عبّاس و سائر المفسّرين و ذهبوا إلى أنّه كفر، فإنّ صحّ ما قاله أهل التفسير فما معنى فهم القرآن سوى حفظ تفسيره و إن لم يصحّ ذلك فما معنى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار».
فاعلم أنّه من زعم أن لا معنى للقرآن إلّا ما يترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حدّ نفسه و هو مصيب في الإخبار عن نفسه، و لكنّه مخطئ في الحكم بردّ الخلق كافّة إلى درجته الّتي هي حدّه و مخطاه، بل الأخبار و الآثار تدلّ على أنّ في معاني القرآن متّسعا لأرباب الفهم قال عليّ عليه السّلام: «إلّا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في القرآن» [٣] فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم؟.
[١] مصباح الشريعة الباب الرابع عشر.
[٢] أخرجه الترمذي ج ١١ ص ٦٧ بألفاظ مختلفة عن ابن عباس و رواه الصدوق في الغنية في حديث طويل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله بلفظ آخر.
[٣] قد مر آنفا.