المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٥
و أجزاءه و ارج أن يعتق بكلّ جزء منها جزءا منك من النار، فهكذا ورد الوعد، فكلّما كان الهدي أكثر و أجزاؤه أوفر كان فداؤك من النّار أعمّ.
و أما زيارة المدينة
فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكّر أنّها البلدة الّتي اختارها اللّه عزّ و جلّ لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جعل إليها هجرته و أنّها داره الّتي فيها شرّع فرائض ربّه و سننه و جاهد عدوّه و ظهر بها دينه إلى أن توفّاه اللّه، ثمّ جعل تربته فيها ثمّ مثّل في نفسك مواقع أقدام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند تردّداته فيها و أنّه ما من موضع قدم تطؤه إلّا و هي موقع قدمه العزيز فلا تضع قدمك عليه إلّا على سكينة و وجل و تذكّر مشيه و تخطّيه في سككها و تصوّر خشوعه و سكينته في المشي و ما استودع اللّه قلبه من عظيم معرفته و رفعه ذكره حتّى قرنه بذكر نفسه و إحباط عمل من هتك حرمته و لو برفع صوته فوق صوته، ثمّ تذكّر ما منّ اللّه به على الّذين أدركوا صحبته و سعدوا بمشاهدته و استماع كلامه و أعظم تأسّفك على ما فاتك من صحبته و صحبة أصحابه ثمّ اذكر أنّه قد فاتتك رؤيته في الدنيا و أنّك من رؤيته في الآخرة على خطر و أنّك ربما لا تراه إلّا بحسرة و قد حيل بينك و بين قبوله إيّاك لسوء عملك كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يرفع إليّ أقوام فيقولون: يا محمّد يا محمّد فأقول: يا ربّ اصيحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: بعدا و سحقا» [١].
(١) أقول: لا يذهب على أهل المعرفة و اللّب معنى الحديث و المراد من الأصحاب و حدثهم، و ظاهر أنّ الأصحاب لا يطلق على جميع الامّة.
قال: «فإن تركت حرمة شريعته و لو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك و بينه بعد و لك عن محجّته، و ليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول اللّه بينك و بينه بعد أن رزقك الإيمان و أشخصك من وطنك لأجل زيارته من غير تجارة، و لا حظّ في دنيا بل لمحض محبّتك له و تشوّقك إلى أن تنظر إلى آثاره و إلى حائط قبره إذ سمحت نفسك بالسفر لمجرّد ذلك لما فاتتك رؤيته فما أجدرك بأن ينظر اللّه إليك بعين الرحمة،
[١] راجع صحيح البخاري ج ٨ ص ١٤٩ و ١٥٠ باب الحوض من كتاب الدعوات، و سنن ابن ماجه تحت رقم ٣٠٥٧.