المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٧
فالمستغرق الهمّ بتدبير الدّنيا لا يتيسّر له القيام و إن قام فلا يتفكّر في صلاته إلّا في مهمّاته، و لا يجول إلّا في وساوسه، و في مثل ذلك يقال: «و أنت إذا استيقظت أيضا فنائم».
الثاني خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل فإنّه إذا تفكّر في أهوال الآخرة و دركات جهنّم طار نومه و عظم حذره كما قال طاوس: إنّ ذكر جهنّم طيّر نوم العابدين و كما حكي أنّ غلاما بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم اللّيل كلّه فقالت له سيّدته: إنّ قيامك باللّيل يضرّ بعملك بالنهار، فقال: إنّ صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم، و قيل لغلام آخر و هو يقوم كلّ اللّيل، فقال: إذا ذكرت النار اشتدّ خوفي و إذا ذكرت الجنّة اشتدّ شوقي فما أقدر أن أنام، و لذي النون المصريّ- رحمه اللّه- فيه شعر:
منع القرآن بوعده و وعيده
مقل العيون بليلها أن تهجعا
فهموا عن الملك الجليل كلامه
فرقا بهم ذلل لكيما تخضعا
و أنشدوا:
يا طويل الرقاد و الغفلات
كثرة النوم تورث الحسرات
إنّ في القبر إن نزلت إليه
لرقادا يطول بعد [ال] ممات
و مهادا ممهّدا لك فيه
بذنوب عملت أو حسنات
أ أمنت البيات من ملك الموت
و كم نال آمنا ببيات
الثالث أن يعرف فضل قيام اللّيل بسماع هذه الآيات و الأخبار حتّى يستحكم به رجاؤه و شوقه إلى ثوابه فيهيّجه الشوق لطلب المزيد و الرّغبة في درجات الجنان كما حكي أنّ بعض الصالحين رجع عن غزوته و امرأته كانت تنتظر فراشه تلك اللّيلة فدخل المسجد و لم يزل يصلّي حتّى أصبح فقالت زوجته: كنّا ننتظرك مدّة فلمّا قدمت فصلّيت إلى الصبح؟ قال: و اللّه كنت أتفكّر في حوراء من حور الجنّة طول اللّيل فنسيت الزوجة و المنزل فقمت طول ليلي شوقا إليها.
الرابع و هو أشرف البواعث الحبّ للَّه تعالى و قوّة الإيمان بأنّه في قيامه لا يتكلّم بحرف إلّا و هو مناج ربّه و هو مطّلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه و أنّ تلك الخطرات من اللّه سبحانه خطاب معه فإذا أحبّ اللّه تعالى أحبّ لا محالة الخلوة به و تلذّذ