المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٣
القول في كيفيّة قسمة الأوراد و توزيع العبادات الّتي سبق شرحها على مقادير الأوقات، و يتّضح هذا المهمّ بذكر بابين: الباب الأوّل في فضيلة الأوراد و ترتيبها في اللّيل و النهار الباب الثاني في كيفيّة إحياء اللّيل و فضيلته و ما يتعلّق به.
(الباب الأول) (في فضيلة الأوراد و ترتيبها و أحكامها)
(فضيلة الأوراد و بيان أنّ المواظبة عليها هو الطريق إلى اللّه تعالى) اعلم أنّ الناظرين بنور البصيرة علموا أن لا نجاة إلّا بلقاء اللّه تعالى و أنّه لا سبيل إلى اللّقاء إلّا بأن يموت العبد محبّا للَّه و عارفا باللّه و أنّ المحبّة و الانس لا يحصل إلّا من دوام ذكر المحبوب و المواظبة عليه و أنّ المعرفة لا تحصل إلّا بدوام الفكر فيه و في صفاته و في أفعاله و ليس في الوجود سوى اللّه و أفعاله و لن يتيسّر دوام الذكر و الفكر إلّا بوداع الدّنيا و شهواتها و الاجتزاء منها بقدر البلغة و الضرورة، و كلّ ذلك لا يتمّ إلّا باستغراق أوقات اللّيل و النّهار في وظائف الأذكار و الأفكار، و النفس لما جبلت عليه من السأمة و الملال لا تصبر على فنّ واحد من الأسباب المعيّنة على الذكر و الفكر بل إذا ردّت إلى نمط واحد أظهرت الملال و الاستثقال، و إنّ اللّه لا يملّ حتّى تملّوا فمن ضرورة اللّطف بها أن تروّح بالتنقّل من فنّ إلى فنّ، و نوع إلى نوع بحسب كلّ وقت لتغزر بالانتقال لذّتها، و تعظم باللّذة رغبتها، و تدوم بدوام الرّغبة مواظبتها، فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة، و الذكر و الفكر ينبغي أن يستغرقا جميع الأوقات أو أكثرها فإنّ النفس بطبعها مائلة إلى ملاذّ الدّنيا فإن صرف العبد شطر أوقاته إلى تدبيرات الدّنيا و شهواتها المباحة مثلا و الشطر الآخر إلى العبادات رجّح جانب الميل إلى الدّنيا لموافقتها للطبع إذ يكون الوقت متساويا فأنّى يتقاومان؟ و الطبع لأحدهما مرجّح إذ الظاهر و الباطن يساعد على أمور الدّنيا و يصفو في طلبها القلب و يتجرّد، و أمّا الردّ إلى العبادات فمتكلّف و لا يسلّم إخلاص القلب، و حضوره إلّا في بعض الأوقات