المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠١
الغائب و ربما يؤيّد ذلك بأنّه على تقدير ثبوت حقّه عليه السّلام لا ضرر في مثل هذا التصرّف عليه بوجه فينتفي المانع منه بل ربما يعلم رضاه إذا كان المدفوع إليه من أهل الاضطرار و التقوى و كان المال في معرض التلف مع التأخير كما هو الغالب في مثل هذا الزمان فيكون دفعه إليهم إحسانا محضا و ما على المحسنين من سبيل.
(بيان وظائف القابض و هي خمسة)
«الأولى أن يفهم أنّ اللّه أوجب صرفه إليه
ليكفي مهمّه و يجعل همومه همّا واحدا فقد تعبّد اللّه الخلق بأن يكون همّهم واحدا و هو اللّه أصلا و اليوم الآخر تبعا، و هو المعنيّ بقوله تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» [١] و لكن لمّا اقتضت الحكمة أن يسلّط على العبد الشهوات و الحاجات و هي تفرّق همّه اقتضى الكرم إفاضة نعمة تكفي الحاجات، فأكثر الأموال و صبّها في أيدي عباده لتكون آلة لهم في دفع حاجاتهم و وسيلة لتفرّغهم لطاعاتهم فمنهم من أكثر ماله فتنة و بليّة فأقحمه متن الخطر و منهم من أحبّه فحماه الدنيا كما يحمي المشفق مريضه فزوى عنه فضوله و ساق إليه قدر حاجته على يد الأغنياء ليكون شغل الكسب و التعب في الجمع و الحفظ عليهم و فائدته تنصب إلى الفقراء فيتجرّدون لعبادة اللّه و الاستعداد لما بعد الموت فلا يصرفهم عنها فضول الدنيا و لا يشغلهم عن التأهّب الفاقة و هذا منتهى النعمة، فحقّ الفقير أن يعرف قدر نعمة الفقر، و يتحقّق أنّ فضل اللّه عليه فيما زواه عنه أكثر من فضله فيما أعطاه كما سيأتي في كتاب الفقر تحقيقه و بيانه، فليأخذ ما يأخذه من اللّه رزقا و عونا له على الطاعة، و ليكن نيّته فيه أن يتقوّى به على طاعته، فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه اللّه تعالى فإن استعان به على معصية اللّه كان كافرا لأنعم اللّه مستحقّا للبعد و المقت من اللّه.
الثانية أن يشكر المعطي و يدعو له و يثني عليه
و يكون شكره و دعاؤه بحيث لا يخرجه عن كونه واسطة و لكنّه طريق وصول نعمة اللّه إليه و للطريق حقّ من حيث جعله اللّه طريقا و واسطة و ذلك لا ينافي رؤية النعمة من اللّه و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من
[١] الذاريات: ٥٦.