المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٦
أسفل السافلين و التحق بغمار البهائم، و كلّما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليّين، و التحق بأفق الملائكة، و الملائكة مقرّبون من اللّه، و الّذي يقتدي بهم و يتشبّه بأخلاقهم يقرب من اللّه كقربهم، فإنّ الشبيه من القريب قريب، و ليس القرب ثمّة بالمكان بل بالصفات و إذا كان هذا سرّ الصوم عند أرباب الألباب و أصحاب القلوب فأيّ جدوى لتأخير أكلة و جمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الاخر طول النهار، و لو كان لمثله جدوى فأيّ معنى لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كم من صائم ليس له من صومه إلّا الجوع و العطش»، و لهذا قال أبو الدرداء: يا حبّذا نوم الأكياس و فطرهم، كيف يغبنون صوم الحمقى و سهرهم، و لذرّة من ذي يقين و تقوى أفضل و أرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترّين، و لذلك قال العلماء: كم من صائم مفطر، و كم من مفطر صائم، و المفطر الصائم هو الّذي يحفظ جوارحه عن الآثام و يأكل و يشرب، و الصائم المفطر هو الّذي يجوع و يعطش و يطلق جوارحه، و من فهم معنى الصوم و سرّه علم أنّ مثل من كفّ عن الأكل و الجماع و أفطر بمقارفة الآثام كمن مسح كلّ عضو من أعضائه في الوضوء و أتى بجميع الآداب و السنن و الأذكار فقد وافق في الفضائل إلّا أنّه ترك المهمّ و هو الغسل، فصلاته مردودة عليه لجهله، و مثل من أفطر بالأكل و صام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاءه الواجب غسلها و مسح الواجب مسحه و اقتصر على الفرائض، فصلاته صحيحة متقبّلة لإحكامه الأصل و إن ترك الفضل، و مثل من جمع بينهما كمن جمع بين الأصل و الفضل في الوضوء و هو الكمال، و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته»[١]و «لمّا تلا قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» وضع يده على سمعه و بصره فقال: السمع أمانة و البصر أمانة»[٢]و لو لا أنّه من أمانات الصوم لما قال: «فليقل إنّي صائم» أي إنّي أودعت لساني لأحفظ فكيف
[١] قال العراقي: أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود في حديث الأمانة و الصوم و اسناده حسن.
[٢] الآية في سورة النساء: ٥٨ و الخبر أخرجه ابن أبي حاتم و الحاكم و ابن حبان و أبو داود كما في الدر المنثور ج ٢ ص ١٧٥. بدون قوله: «السمع أمانة و البصر أمانة».