المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٩
و تضييق عليهم، و لأنّه ربما لا يكمل في أخذها صفة الاستحقاق كما وصف في الكتاب.
و أمّا الصدقة فالأمر فيها أوسع، و قيل: بل أخذ الزكاة أولى لأنّه إعانة على واجب و لو ترك المساكين كلّهم أخذ الزكاة لأثموا، و لأنّ الزكاة لا منّة فيها و إنّما هي حقّ واجب للَّه رزقا لعباده المحتاجين، و لأنّه أخذ بالحاجة و الإنسان يعلم حاجة نفسه قطعا و أخذ الصدقة أخذ بالدّين فإنّ الغالب أنّ المتصدّق يعطي من يعتقد فيه خيرا و لأنّ مراقبة المساكين أدخل في الذّلّ و المسكنة و أبعد عن التكبّر إذ قد يأخذ الإنسان الصدقة في معرض الهديّة فلا تتميّز عنها و هذا تنصيص على ذلّ الأخذ و حاجته.
و القول الحقّ في هذا أنّ هذا يختلف باختلاف أحوال الشخص و ما يغلب عليه و يحضره من النيّة، فإن كان في شبهة من اتّصافه بصفة الاستحقاق فلا ينبغي أن يأخذ الزكاة و إذا علم أنّه مستحقّ قطعا كما إذا حصل عليه دين صرفه إلى خير و ليس له وجه في قضائه فهو مستحقّ قطعا فإذا خيّر هذا بين الزكاة و الصدقة فإن كان صاحب الصدقة لا يتصدّق بذلك المال لو لم يأخذه هو فليأخذ الصدقة فإنّ الزكاة الواجبة يصرفه صاحبه إلى مستحقّه، ففي ذلك تكثير للخير و توسيع على المساكين، و إن كان المال معرضا للصدقة و لم يكن في أخذ الزكاة تضييق على المساكين فهو مخيّر و الأمر فيهما متقارب، و أخذ الزكاة أشدّ في كسر النفس و إذلالها في أغلب الأحوال».
(١) أقول: في الشقّ الأخير أيضا أخذ الصدقة أولى لأنّها أطهر لإباحتها للمعصومين عليهم السّلام كما عرفت سيّما إذا كان الآخذ من أهل العلم و البصيرة بل لا ينبغي له أخذ الصدقة أيضا إلّا مع الضّرورة الشديدة فضلا عن الزكاة لما عرفت من حديث العسكريّ عليه السّلام و مع الضرورة يجب الأخذ، قال الصادق عليه السّلام: «تارك الزكاة و قد وجبت له مثل مانعه و قد وجبت عليه [١]».
(الباب الخامس في زكاة الجسد)
روى في الكافي بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوما لأصحابه:
[١] التهذيب ج ١ ص ٣٧٨. و الكافي ج ٣ ص ٥٦٣ رقم ٢.