المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٣
السابع التخصيص
و هو أن يقدّر أنّه المقصود بكلّ خطاب في القرآن فإن سمع أمرا أو نهيا قدّر أنّه هو المنهيّ و المأمور، و إن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك، و إن سمع قصص الأوّلين و الأنبياء علم أنّ السمر[١]غير مقصود و إنّما المقصود ليعتبر به و ليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه فما من قصّة في القرآن إلّا و سياقها لفائدة في حقّ النبيّ و أمّته و لذلك قال تعالى: «ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [١]» فليقدّر العبد أنّ اللّه تعالى يثبّت فؤاده بما يقصّه عليه من أحوال الأنبياء و صبرهم على الإيذاء و ثباتهم في الدّين لانتظار نصر اللّه و كيف لا يقدر هذا و القرآن ما انزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خاصّة بل هو شفاء و هدى و رحمة و نور للعالمين، و لذلك أمر اللّه تعالى الكافّة بشكر نعمة الكتاب فقال: «وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ» [٢] و قال: «لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ» [٣] «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» [٤] «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ» [٥] «وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» [٦] «هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» [٧] «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» [٨] و إذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد فهذا الواحد القارئ مقصود فيما له و لسائر الناس فليقدّر أنّه المقصود، قال تعالى: «وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ [٩]».
قال محمّد بن كعب القرظيّ من بلغه القرآن فكأنّما كلّمه اللّه تعالى و إذا قدّر ذلك لم يتّخذ دراسة القرآن عمله بل قرأه كما يقرء العبد كتاب مولاه الّذي كتب إليه ليتأمّله و يعمل بمقتضاه، و لذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربّنا بعهوده نتدبّرها في الصلوات و نقف عليها في الخلوات و ننفذها في الطاعات بالسّنن المتّبعات، و كان مالك بن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إنَّ القرآن ربيع
[١] اى حديث الليل.
[١] هود: ١٢٠.
[٢] البقرة: ٢٣١.
[٣] الأنبياء: ١٠.
[٤] النحل: ٤٤.
[٥] سورة محمد: ٣.
[٦] الزمر: ٥٥.
[٧] الجاثية: ٢٠.
[٨] آل عمران: ١٣٨.
[٩] الانعام: ١٩.