المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٩
و كلّ مظلمة علاقة و كل علاقة مثل غريم حاضر متعلّق بتلبيبه[١]ينادي عليه و يقول:
إلى أين تتوجّه؟ أ تقصد بيت ملك الملوك و أنت مضيّع أمره في منزلك هذا و مستهين به و مهمل له أو لا تستحيي من أن تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيردّك و لا يقبلك، فإن كنت راغبا في قبول زيارتك فنفّذ أوامره و ردّ المظالم و تب إليه أوّلا من جميع المعاصي و اقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك لتكون متوجّها إليه بوجه قلبك كما أنت متوجّه إلى بيته بوجه ظاهرك، فإن لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك أوّلا إلّا النصب و الشقاء و آخرا إلّا الطرد و الرّد، و ليقطع العلائق عن وطنه قطع من انقطع عنه، و قدّر أن لا يعود إليه و ليكتب وصيته لأهله و لأولاده فإنّ المسافر و متاعه لعلى قلت[٢]إلّا ما وقى اللّه و ليتذكّر عند قطعه العلائق لسفر الحجّ قطع العلائق لسفر الآخرة فإنّ ذلك بين يديه على القرب و ما تقدّمه من هذا السفر طمع في تيسير ذلك السفر فهو المستقرّ و إليه المصير، فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك السفر عند الاستعداد لهذا السفر.
و أما الزاد
فليطلبه من موضع حلال و إذا أحسّ من نفسه بالحرص على استكثاره و طلب ما يبقى منه على طول السفر و لا يتغيّر و لا يفسد قبل بلوغ المقصد فليتذكّر أنّ سفر الآخرة أطول من هذا السفر، و أنّ زاده التقوى، و أنّ ما عداه ممّا يظنّ أنّه زاده يتخلّف عنه عند الموت و يخونه، فلا يبقى معه كالطعام و الرّطب الّذي يفسد من أوّل منازل السفر فيبقى وقت الحاجة متحيّرا محتاجا لا حيلة له، فليحذر أن يكون أعماله الّتي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه بعد الموت بل تفسدها شوائب الرياء و كدورات التقصير.
و أما الراحلة
إذا أحضرها فليشكر اللّه تعالى بقلبه على تسخير اللّه له الدّوابّ ليتحمّل عنه الأذى و يخفّف عنه المشقّة و ليتذكّر عنده المركب الّذي يركبه إلى الدّار الآخرة و هي الجنازة الّتي يحمل عليها، فإنّ أمر الحجّ من وجه يوازي أمر السفر إلى الآخرة و لينظر أ يصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زادا لذلك السفر على ذلك المركب، فما أقرب ذلك منه و ما يدريه لعلّ الموت قريب، و يكون ركوبه للجنازة قبل
[١] التلبيب: موضع اللبب من الثياب و يعرف بالطوق.
[٢] القلت- بالتحريك-: الهلاك و الفساد.